يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن أحسن القصص قصص القرآن؛ لما فيها من العبر العظيمة، والذكرى لعباد الله المؤمنين، والمواعظ الجليلة التي تنبه القلوب الغافلة وتزيد الذين آمنوا إيمانا، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾يوسف/3.
هذه الآية في مطالع سورة يوسف عليه الصلاة والسلام، وقد قص الله تعالى فيها علينا من الآيات والذكر والعبر شيئًا عظيمًا.
لا تكن أيها المسلم ممن تلهيه قصص الدنيا، وتتبع الأفلام المدبلجة، أو التي حبكها أصحابها ودخلها شيء من الكذب أو الكذب الكثير، ففي قصص القرآن ما يغني المؤمنين عن غيره من الأحاديث.
قصة قوم سبأ ونعم الله عليهم؟
مما قصه الله تبارك وتعالى علينا في كتابه: قصة سبأ، أهل مأرب من اليمن، فإنهم كانوا على شيء عظيم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾سبأ/15.
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾؛ يعني عبرة لمن أراد أن يعتبر، أو كان في عيشهم أشياء عجيبة؛ لأنهم كانوا في وادٍ متسعٍ عظيمٍ بين جبلين، فبنوا بين الجبلين سدًا يحفظ لهم المياه التي يسقون منها الزروع، فنبتت لهم أشجارهم وثمارهم، ودر عيشهم، وكثر رغدهم وبساتينهم. كما يقول قتادة: “إن المرأة كانت تحمل المكتل على رأسها وتمشي تحت الأشجار، فتمتلئ من الثمار الساقطة فيه، ولا تحتاج إلى جني وإلى قطف”.
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، كانوا على التوحيد، كانوا على الإيمان، على طاعة الرحمن، وربنا سبحانه وتعالى الذي إذا شكره الإنسان زاد قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ إبراهيم/7.
عقوبة الإعراض عن طاعة الله كفران النعم؟
ثم إن قوم سبأ بعد ذلك تغيرت أحوالهم، وتبدل إيمانهم، قال عز وجل: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾سبأ/16-17.
أعرضوا عن طاعة الله، بل أشركوا بالله عز وجل وهو من أعظم الكفر بنعمة الله؛ أن الله هو الذي خلقك، وهو الذي أوجدك، وهو الذي رباك ورزقك ثم تعبد غيره، ثم تدعو غيره، ثم تذل وتسجد وتخضع لغيره، هذا من أعظم الكفر.
ولهذا ربنا عز وجل لا يغفر هذا الذنب، الله عز وجل يغفر الذنوب إذا لقيه العبد بها إلا الشرك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾النساء/ 48. والله لو كنت أبا لنبي، لو كنت ابنًا لنبي فلقيت الله مشركًا لا يغفر الله لك، ويدعك في جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا. لأن الشرك أمره عظيم.
فلما أعرضوا عن عبادة الله، وعن شكره وكفروا بنعمته، أرسل الله عليهم سيل العرم؛ أرسل الله عليهم سيلًا عظيمًا، جرف السد وانفجرت المياه، فسال الوادي، وجرف السيل بساتينهم وزروعهم وثمارهم، فلم يبق منها شيء.
وبدّلهم الله (بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ)؛ قيل: هو شجر الأراك، شجر الأراك السواك، فيه ثمر قليل، (وَأَثْلٍ): شجر الأثل ليس فيه ثمر، (وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ): هذا خير الأشجار التي بدلهم الله بها؛ السدر، وكما يعلم كا واحد أن السدر ثمره قليل وفيه شوك، هذا جزاء كفرهم بالله.
ومن كفرهم الذي حكاه الله عنهم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾سبأ/18-19.
الله تعالى يقول: جعلنا بين بلادهم وبلاد الشام قرى ظاهرة لا يحتاج فيها المسافر إلى حمل الزاد والماء، يصبح في قرية، يقيل في قرية، يتعشى في قرية طوال الطريق، ما كانوا يحملون الزاد كبقية المسافرين. نعمة من الله فكفروا نعمة الله، وقالوا: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)! نريد أن نحمل الزاد كما يحمله بقية المسافرين. كفروا fنعمة الله.
هذا الموجود في الإنسان نوازع، جحود النعم، أن الإنسان يكون في نعمة فتنازعه نفسه إلى ضدها، فزالت تلك النعمة عنهم، وقال الله عز وجل: {ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}سبأ/17، ثم جعلهم الله عز وجل أحاديث {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ}سبأ/19. يتكلم فيهم الناس في المجالس، رأيتم ما صنع الله بقوم فلان؟ أرايتم ما صنع الله بأهل فلان؟ صار الناس يتحدثون بهم في المجالس، عافانا الله وإياكم من هذا البلاء العظيم والمصيبة والمصيبة الجلل.
فربنا سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
حقيقة شكر النعم وكيفية أدائه؟
في هذه القصة التي قص الله تعالى علينا في كتابه في سورة سماها باسمهم، سورة سبأ، فيها أن النعم إنما تدوم بشكر الله، والاستعانة بها على طاعة الله، فشكر النعم يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالعمل بالأركان.
بالقلب: أن الإنسان يعترف بقلبه أن ما به من نعمة هي من الله سبحانه وتعالى، وليس بكده، ولا بتعبه، ولا بشهادته، ولا بخبرته، كما قال قارون لما قيل له اشكر نعمة الله، قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}القصص/78. أنا انسان عندي خبرة بالتجارة، بكسب المال، فانظر إلى عاقبته والعياذ بالله.
وثم التحدث بها في اللسان: لا تظهر نفسك أنك فقير محتاج وأنت عندك ما يغنيك، هذا كفر بنعمة الله.
وبالعمل بالأركان: الاستعانة بالنعم على طاعة الله، أعطاك الله مالا اصرفه في الطاعة، لا تصرفه في المعصية، لا تحارب الله عز وجل بأموالك، لا تحارب الله عز وجل ودينه وأولياءه بما أعطاك الله عز وجل من نعمة؛ نعمة مال، نعمة جاه، نعمة منصب، احذر أن تحارب نعم الله بما أعطاك الله عز وجل، لأن هذا من أعظم الكفر بالنعم.
الحذر من إِلف النعمة وفضل العمل الصالح؟
المؤمن إذا ذكر يتذكر، وإذا وعظ تنبه، وما قص الله عز وجل علينا هذه القصص لمجرد التسلية، أن نتسلى ونمضي الأوقات، لا، قصها الله عز وجل كي نعتبر بمن قبلنا، ونشكر نعمة الله علينا، وأن لا نجحد شيئا مما أعطانا الله عز وجل.
احذر من إلف النعمة، الإنسان يألف النعمة فربما ينسى شكرها وربما كفرها، احذر!
تذكر نعمة الله عليك في كل يوم وليلة، إذا قمت وأحياك الله من منامك، ماذا تقول؟ “..الحمد لله الذي أحيانا بَعدَ ما أماتَنا، وإليه النُّشورُ”البخاري.
لو شاء الله عز وجل لما رجعت روحك إلى بدنك، لو شاء الله عز وجل قبض روحك، لكن هذه نعمة؛ أمهلك هذا اليوم.
كل يوم يمر عليك هو نعمة من الله عز وجل خلقها الله لك لتستغله في طاعة الله، وفي ذكر الله، وفي العمل الصالح الذي ينفعك إذا انقطعت بك الأيام والليالي .
روى الطبراني بسند حسن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقَالَ: «مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ؟»، فَقَالُوا: فُلَانٌ. فَقَالَ: «رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ». ركعتان يركعهما المسلم أحب إلى أصحاب القبور والله من الدنيا بأسرها.
والرسول ﷺ يقول مبينا فضل العمل في المهلة والقدرة: “- “لَأنْ أقولَ : سُبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبَرُ أحَبُّ إليَّ ممَّا طلَعَتْ عليه الشَّمسُ”مسلم والترمذي.
اعتبروا عباد الله بقصص القرآن وما حكاه الله لنا في كتابه، ففي ذلك عبرة لأولي الألباب. عبرة وآية، لكن ليست لكل أحد، وإنما كما قال الله عز وجل لأولي الألباب، لذوي العقول التي هي حية وليست ميتة، قلوب وعقول حية وليست عمياء وليست ميتة، لأن القلب إذا عمي – القلب إذا عمي – رأى الخير شرا، والحق باطلا، والظلم عدلا، والفساد استقامة! إذا عمي القلب والعياذ بالله انقلبت في حقه الموازين كما قال تعالى:{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}فاطر/8.