طاعة الوالدين من طاعة الله، وبرهما من الفرائض، وعقوقهما من الكبائر، وهذا يشمل الطاعات التي يحبها الله، ويشمل المباحات، حتى في المباح إذا طلبا منه أن يذهب بهما إلى كذا من المباحات أو يشتري لهما حاجة وهو يستطيع ذلك وجب عليه ذلك، إذا كان لا ضرر عليه في ذلك، وهكذا إذا أمراه أن يعمل لهما قهوة أو شاي أو غيرها أو يحضر لهما ماء للشرب وهو يستطيع ذلك وجب عليه.
يجب عليه أن يطيعهما في المعروف الذي لا ضرر فيه ولا معصية فيه، كما قال النبي ﷺ: “إنما الطاعة في المعروف” .
طبيعة العلاقة بين الأبناء والآباء وبرهم؟
من المقرر شرعا أن الإسلام أمر الأبناء ببر الوالدين، وأن البر منوط بما فيه طاعة لله ولرسوله ﷺ، أو ليس فيه مخالفة لشرع الله، ولا يجب على الأبناء طاعة آبائهم دائما، فالمنصوص عليه هو البر، وليس الطاعة:
-قال تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) البقرة: 83.
-وقوله تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) النساء: 36.
-وقوله سبحانه: ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
-وكمنهج للمعاملة وخاصة وقت الكبر يقول تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء:23-24.
-وفي البر يقول النبي ﷺ :” بروا آباءكم ؛تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم ” رواه الطبراني و الحاكم في المستدرك.
فالأصل هو البر والإحسان، وقد قال الإمام ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن فعله، أو ووصيناه أن يحسن إلى والديه، والإحسان أعم من البر.
ولكن ليست طاعة الوالدين دائمة على طول الخط:
-كما قال تعالى:( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) العنكبوت :8.
-وقال أيضا سبحانه وتعالى :( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان :15
متى يجوز مقاطعة الوالدين؟
منع القرآن طاعة الوالدين في المعصية، فهي ليست طاعة عمياء، فعلى الابن أن يطيع والديه فيما يطلب منه مما ليس بمحرم، ولكن يجوز له ألا يبادرهم بفعل شيء لهم، مالم يطلباه، على أن يكون ذلك إعلانا منه لرفض معصيتهم لله تعالى، وتجاوزه حدود الله، بل أجاز الفقهاء أن يقاطع القريب قريبه إن كان بسبب المعصية، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه آلى نساءه شهرا، وكذلك طلب النبي ﷺ من الصحابة أن يقاطعوا الذين تخلفوا عن غزوة تبوك خمسين يوما، وطلب من نسائهم بعد مدة أن يتركوا بيوتهم وأن يذهبوا إلى بيوت آبائهم، إمعانا في المقاطعة.
فيجوز للأبناء في البيت أن يقاطعوا آبائهم بعد نصحهم، فإن لم ينتصحوا ويرجعوا عن الحرام، جاز لهم مقاطعتهم، على أن تكون النية في ذلك هو المقاطعة لله؛ لأجل أنهم أتوا بما حرم الله تعالى.
كما أنه يجب أن يدرك أن الأبناء وإن كانوا هم زرع آبائهم، إلا أن الأبناء عباد محاسبون أمام الله تعالى، وأن الولد بعد بلوغه محاسب عند الله قبل أن يكون محاسبا أمام والده، وأن نربط الأبناء بالله وليس بالآباء والأمهات، مع الحفاظ على ما شرع الإسلام من البر والإحسان للوالدين، وحسن المعاملة والتلطف في الحديث والسلوك، وهذا قاعدة عامة.
أما في حال ارتكاب الآباء الكبائر وإتيان الفواحش، فواجب على الأبناء النصح والإرشاد، فإن لم يجد، كانت المقاطعة و الرفض لما يأتي الآباء والأمهات من سلوك تخالف شرع الله، وذلك أن طاعة الله تعالى مقدمة على طاعة الوالدين، وأن الشرع جعل طاعة الوالدين في الأحوال العامة هي جزء من طاعة الله، فإن انزلق الآباء في الكبائر، فقد انتفت الولاية والطاعة لهم، ويبقى البر والإحسان والإرشاد وما قد يعالج هذا الخروج.