صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة وقد ورد عن النبي ﷺ هيئات متعددة في كيفية الاستسقاء، وأكمل صفاتها أن يخرج الناس إلى مصلى العيد فيصلوا ركعتين كصلاة العيد مع خطبة.
الأصل في العبادات التوقيف أو الحظر؟
يقول الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله- بجامعة القدس بفلسطين-:
إن الأصل الذي قرره العلماء في العبادات عامة، والصلاة بشكل خاص، هو التلقي عن النبي ﷺ، فالأصل فيها التوقيف أو الحظر كما يعبر بعض العلماء، أي أن الأصل أن لا نفعل شيئاً في باب العبادات ما لم يكن وارداً عن النبي ﷺ، ويجب علينا أن نلتزم بذلك بلا زيادة ولا نقصان، يقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}المائدة/3-، ويقول الرسول ﷺ: “مَن أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ” رواه مسلم والبخاري.
وكان عليه الصلاة والسلام يقول في خطبه: “أما بعدُ فإن خيرَ الحديثِ كتابُ اللهِ, وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ, وشرًّ الأمورِ محدثاتُها وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ”رواه مسلم.
فالأصل في المسلم أن يقف عند موارد النصوص فلا يتجاوزها، لأننا أمرنا بالإتباع ونهينا عن الابتداع، فنحن مأمورون بإتباعه ﷺ والإقتداء به، كما قال تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}سورة الأحزاب/21.
وقد بين لنا الرسول ﷺ كيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها وكل ما يتعلق بها، وعلَّم الصحابة كيف يصلون وصلى أمامهم، وقال: “صَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصلِّي”البخاري.
هذا هو الأصل الأصيل فقوام هذا الدين في أمرين:
الأول: ألا يُعبدَ إلا الله.
الثاني: أن لا يُعبدَ اللهُ إلا بما شرع.
صلاة الاستسقاء الصورة والحكم؟
-صلاة الاستسقاء مشروعة بسنة رسول الله ﷺ عند قلة الأمطار وانحباسها، فلا بد للناس أن يبادروا إلى التوبة والاستغفار مصداقاً لقوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) –سورة نوح10-12.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثابتة بسنة رسول الله ﷺ، وخلفائه رضي الله عنهم ] المغني 3/334.
وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء، والبروز، والاجتماع إلى الله عز وجل خارج المصر بالدعاء، والضراعة إلى الله تبارك اسمه في نزول الغيث عند احتباس ماء السماء وتمادي القحط سنة مسنونة سنها رسول الله ﷺ، لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك] التمهيد 17/172.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه استسقى على عدة أوجه كما قال العلامة ابن القيم [ ثبت عنه ﷺ أنه استسقى على وجوه:
الوجه الأول: يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته، وقال “اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا”.
الوجه الثاني: – شكا النَّاسُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قحطَ المطرِ فأمَر بالمنبرِ فوُضِع له في المصلَّى ووعَد النَّاسَ يومًا يخرُجون فيه قالت عائشةُ: فخرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ بدا حاجبُ الشَّمسِ فقعَد على المنبرِ “فحمِد اللهَ وأثنى عليه ثمَّ قال: ( إنَّكم شكَوْتُم جَدْبَ جِنانِكم واحتباسَ المطرِ عن إبَّانِ زمانِه عنكم وقد أمَركم اللهُ أنْ تدعوه ووعَدكم أنْ يستجيبَ لكم ) ثمَّ قال: ( {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} لا إلهَ إلَّا أنتَ تفعَلُ ما تُريدُ اللَّهمَّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلَّا أنتَ الغنيُّ ونحنُ الفقراءُ أنزِلْ علينا الغَيْثَ واجعَلْ ما أنزَلْتَ لنا قوَّةً وبلاغًا إلى خيرٍ ) ثمَّ رفَع يدَيْهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى رأَيْنا بياضَ إِبْطَيْهِ ثمَّ حوَّل إلى النَّاسِ ظهرَه وقلَب أو حوَّل رداءَه وهو رافعٌ يدَيْهِ ثمَّ أقبَل على النَّاسِ ونزَل فصلَّى ركعتينِ فأنشَأ اللهُ سحابًا فرَعَدت وأبرَقت وأمطَرت بإذنِ اللهِ فلم نلبَثْ في مسجدِه حتَّى سالت السُّيولُ فلمَّا رأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَثَقَ الثِّيابِ على النَّاسِ ضحِك حتَّى بدت نواجِذُه وقال: ( أشهَدُ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ وأنِّي عبدُ اللهِ ورسولُه”ابن حبان وأبو داود والحاكم.
(الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد اللهم لا إلا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا وبلاغاً إلى حين ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء وبالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حوَّل إلى الناس ظهره واستقبل القبلة، وحوَّل إذ ذاك رداءه وهو مستقبل القبلة فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن وظهر الرداء لبطنه وبطنه لظهره وكان الرداء خميصة سوداء، وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة والناس كذلك، ثم نزل فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد، من غير أذان ولا إقامة، ولا نداء ألبتة، جهر فيهما بالقراءة وقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب “سبح اسم ربك الأعلى” وفي الثانية “هل أتاك حديث الغاشية”.
الوجه الثالث: أنه ﷺ استسقى على منبر المدينة استسقاءً مجرداً في غير يوم جمعة ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الاستسقاء صلاة.
الوجه الرابع: أنه ﷺ استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله عز وجل فحفظ من دعائه حينئذ: “اللهمَّ اسْقِنَا غيثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا طَبَقًا ، عاجلًا غير رائثٍ ، نافعًا غيرَ ضارٍّ”أحمد والطبراني والحاكم.
الوجه الخامس: عن عمير بن آبي اللحم أنه رأى النبيَّ ﷺ “يستسقي عند أحجارِ الزَّيتِ قريبًا من الزَّوراءِ قائمًا يدعو يستسقي رافعًا يدَيه قبلَ وجهِه لا يجاوزُ بهما رأسَه”أبي داود وأحمد وابن حبان.
الوجه السادس: أنه ﷺ استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش فشكوا إلى رسول الله ﷺ. وقال بعض المنافقين لو كان نبياً لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال أوقد قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم، ثم بسط يديه ودعا فما ردَّ يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب وأمطروا فأفعم السيل الوادي فشرب الناس فارتووا] زاد المعاد في هدي خير العباد 1/ 457 – 458.
وأكمل وجوه صلاة الاستسقاء هو الثاني كما قال الإمام النووي [ أفضلها وهو الاستسقاء بصلاة ركعتين ] المجموع 5/64.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، أكملها الخروج والصلاة على ما وصفنا ويليه استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر … والثالث أن يدعو الله تعالى عقيب صلواتهم وفي خلواتهم] المغني 2/327.
وأما الاستسقاء يوم الجمعة بالدعاء أثناء خطبة الجمعة فهو ثابت عن رسول الله ﷺ، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا اللهم اسقنا، قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً وما بيننا وبين سلع – اسم جبل بالمدينة المنورة – من بيت ولا دار قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: والله ما رأينا الشمس سبتاً – أي أسبوعاً – ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ يخطب فاستقبله قائماً. فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله يديه ثم قال :اللهم حوالينا لا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر. قال : فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس).
صلاة الاستسقاء على غير هدي النبي ﷺ؟
إذا قام خطيب الجمعة بقلب الرداء وإقامة صلاة الإستسقاء أثناء وجوده على المنبر وهو يخطب وقت صلاة الجمعة، هذ الفعل مخالف لسنة النبي ﷺ بالإضافة لوقوعه في عدة أخطاء، ومن هنا تأتي ضرورة أن يكون أئمة المساجد وخطباء الجمعة على درجة من الفقه في الدين وبالذات فيما يتعلق بأحكام الصلاة، لا أن تترك المساجد عامة وخطب الجمعة خاصة لكل من هب ودب ممن لا يحسنون ألف باء العلم الشرعي.
وبعد توضيح هدي المصطفى ﷺ في الاستسقاء، فإن ما يفعله خطيب الجمعة مخالف لهدي النبي ﷺ للآتي:
1- إن طلب الخطيب من الناس أن يقفوا ليؤمنوا على دعاء الخطيب، أمر غير مشروع وبدعة ابتدعها على خلاف سنة رسول الله ﷺ. فمن المعلوم الثابت أن المصلين يؤمنون على دعاء الخطيب وهم جلوس.
2- قلب الخطيب لردائه واستقباله القبلة وهو على منبر الجمعة، على خلاف سنة النبي ﷺ، فقد ثبت في الحديث الذي ذكرته سابقاً أن الرسول الله ﷺ لما استسقى وهو على منبر الجمعة، رفع يديه فقال: اللهم اسقنا اللهم اسقنا..إلخ.
3- طلب الخطيب من المؤذن أن يقيم الصلاة للاستسقاء، هذا فيه عدة أخطاء، حيث صلى الاستسقاء محل صلاة الجمعة، وهذا أمر باطل؛ لأن خطبة الجمعة جزء من صلاة الجمعة، وقد فصل الخطيب بين صلاة الجمعة وخطبة الجمعة، ولا يشرع أن يصلي الاستسقاء محل صلاة الجمعة، كما أنه لا يشرع الأذان ولا الإقامة لصلاة الاستسقاء، لما ثبت في صحيح البخاري عن أبى إسحاق خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم فاستسقى، فقام بهم على رجليه على غير منبر فاستغفر، ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن ولم يقم. قال أبو إسحاق ورأى عبد الله بن يزيد النبي ﷺ. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ولا يسن لها أذان ولا إقامة، ولا نعلم فيه خلافاً] المغني 3/337.
4- المصلون الذين خرجوا من المسجد بعد انتهاء صلاة الاستسقاء المبتدعة ولم يصلوا الجمعة، يلزمهم أن يقضوا صلاة الظهر، لأنهم لم يصلوا الجمعة.
وخلاصة الأمر أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، وأن أكمل صفاتها أن يخرج الناس إلى مصلى العيد فيصلوا ركعتين كصلاة العيد مع خطبة، فإن استسقى إمام الجمعة بالدعاء أثناء خطبة الجمعة فحسن، ولا يشرع بحال من الأحوال أن يصلي الاستسقاء محل صلاة الجمعة، وكذلك لا أرى أن يصلي ركعتين بعد الجمعة ويقنت في الثانية بعد الركوع كما يفعله بعض أئمة المساجد؛ لأن هذه الصفة لم تنقل عن النبي ﷺ، ولم يقل بها أحد من العلماء فيما أعلم، وإنما يُكتفى بالدعاء في خطبة الجمعة، وأن هذا الفعل، فيه جملة من الأخطاء حيث إنه صلى الاستسقاء على هيئة صلاة العيد محل صلاة الجمعة، ولا شك في بطلان ذلك وأنه غير مشروع ولا بحال من الأحوال.