يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

النبي عزم على الحج في السنه العاشرة، وكان قد أرسل أبا بكر وعلي رضي الله عنهما في السنه التاسعه، لأن الحج فرض في السنه التاسعه، لكن الذي منع النبي من الحج هو وجود المشركين، فبعث النبي أبا بكر وعلي رضي الله عنهما يناديان في الموسم ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان.

ذلك أن من القبائح التي زينها الشيطان للمشركين، أنهم إذا جاؤوا إلى مكه خلعوا ثيابهم بحجه أن هذه ثياب عصينا الله فيها. فلا يصح لنا أن نطوف بالبيت الحرام في ثوب عصينا الله فيه، فكانوا يلقون ثيابهم ويطوف بعضهم عراة نسال الله العافيه.

وهذا من تزيين الشيطان لهم واتباعهم لخطواته، الله سبحانه وتعالى قال في هذه المسأله إن الله لا يامر بالفحشاء ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )الأعراف/28.

وقد أعلن النبي أنه سيحج في السنه العاشره. فقدم المدينه بشر كثير من جميع القبائل والقرى التي حول المدينه، كلهم يريد أن يتأسى بالنبي في حجه.

ميقات ذي الحليفة وشروط قبول العمل الصالح؟

النبي عليه الصلاة والسلام أولا أحرم من ذي الحليفه. كما قال جابر فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفه يسميها الناس اليوم أبيار علي، هذه تسمية لا تصح.
اسمها الشرعي ميقات ذي الحليفه، فالصحابه رضي الله عنهم كانوا من أحرص الناس على الاقتداء برسول الله لا سيما في العبادات.

ولقبول العمل الصالح شرطان:

الأول– أن تكون مخلصا في عملك.

الثاني: أن يكون عملك موافقا لهدي النبي .

فلا يبتدع المسلم، لا يخترع، الدين ليس محلا للزياده، والله تعالى يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )المائدة/3، فالصحابه رضي الله عنهم جاؤوا من كل مكان حتى يتابعوا النبي عليه الصلاة والسلام في حجته.

حكم إحرام الحائض والنفساء والمواقيت المكانية؟

لما خرج النبي إلى ذي الحليفه، نفست أسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق. يعني ولدت. خرجت وهي حامل وولدت في الميقات .
الصحابه كانوا يسألون عن الأمور التي تخفى عليهم.
فأرسلت أسماء إلى النبي كيف اصنع في حجتي يا رسول الله؟ فقال لها اغتسلي واحرمي.
وهذا دليل على أن الاحرام من الميقات لا تشترط له الطهاره لا الكبرى ولا الصغرى، فإذا كانت الطهاره الكبرى لا تشترط، أي الحيض، النفاس، الجنابه لا تشترط للإحرام، فكيف بالطهاره الصغرى الوضوء؟

وهذا دليل أهل العلم على أن المرأة إذا حاضت قبل الميقات أو أحرمت وهي حائض أن إحرامها صحيح.

بعض الناس ؟ يأتون إلى الميقات تكون معهم إمرأة حائض أو معذوره فتقول كيف أنا أحرم فتقول أنا أذهب مكه واحرم من مكه، وهذا خطا.

لأن الله تبارك وتعالى جعل لبيته الحرام مواقيت. هذه المواقيت هي لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها.

فمن كان مثلا ليس من اهل المدينه ثم ذهب إلى المدينه وصلى فيها يوم يومين ثم أراد العمرة من أين يحرم؟ يحرم من ذي الحليفه من ميقات أهل المدينه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال “هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج أو العمره”.

إذا الميقات لا يوجب الإحرام على كل أحد، فلو مر شخص بالميقات ولكن ليس لديه نية للعمره. ومر بالميقات ويريد الصلاة في المسجد الحرام أو يريد أن يصلي الجمعه مثلا في المسجد الحرام، لا حرج.

فالميقات هو مكان الإحرام المكاني لأن المواقيت مكانيه وزمانيه.

أما المواقيت المكانيه لمن يريد دخول مكة المكرمة بنية الحج أو العمرة– كما جاءت في حديث ابن عباس رضي الله عنه: يُهِلُّ أهلُ المدينةِ من ذي الحليفةِ، ويُهِلُّ أهلُ الشامِ من الجحفةِ، ويُهِلُّ أهلِ اليمنِ من يلملمَ، ويُهِلُّ أهلُ نجدٍ من قرنٍ، وهنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ ممن سواهم ممن أراد الحجَّ والعمرةَ ومن كان بيتُهُ من دونِ الميقاتِ فإنَّهُ يُهِلُّ من بيتِهِ حتى يأتي على أهلِ مكةَ. أبو داود والنسائي وأحمد.

إذا يجوز للمرأة النفساء والمرأة الحائض أن تحرم، ومثلها الرجل إذا كان على غير طهاره، إذا كان لم يتوضأ، بعض الناس في الطائره يزدحمون على الحمامات لأجل الإحرام، هو لا يشترط، لكنه مستحب، العلماء يقولون إذا كان النبي قال لأسماء بنت عميس اغتسلي وهي أصلا لا ترتفع يعني لا يرتفع هذا الحيض والنفاس بالغسل، فكيف بغيره؟ هذا يكون آكد ويكون سنه مؤكده.

التلبية الشرعية وفضل رفع الصوت بها؟

النبي لما استوت به الراحله على البيداء أهل بالتوحيد.
ما معنى أهل بالتوحيد؟ يعني لبى التلبية الشرعية التي كلها توحيد. يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
هذه كلمات مليئه بالتوحيد. لأن المشركين كانوا يقولون لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا ملكته وما ملك. والعياذ بالله. كانوا يشركون بالله عز وجل في التلبيه.
لكن النبي أهل بالتوحيد، وهذه الكلمات العظيمه، لبيك بمعنى استجبت لك.
لماذا قال لبيك اللهم لبيك؟ تأكيد استجبت لك يا رب استجابة بعد استجابة، أن الحمد والنعمة لك والملك ثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله.

فهذه التلبيه العظيمه هي شعار المعتمرين والحاجين.

ولهذا يشرع ويستحب رفع الصوت بالتلبيه، حتى يقول أي جابر أو ابن عمر لا نمضي قليلا إلا وقد بحت أصواتنا من التلبيه.

نجد اليوم بعض الناس يحرمون ولا يتكلمون. لا يلبون ولا يكررون التلبيه وهي شعار الحاج وهي شعار المعتمر. فالصحابه رضي الله عنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبيه.

أما المرأة تسمع نفسها، تلبي عند رفيقاتها، لا ترفع صوتها بالتلبيه.

والتلبيه فضلها ما جاء في الحديث “ما من مسلمٍ يلبِّي إلَّا لبَّى من عن يمينِه أو عن شمالِه من حجرٍ أو شجرٍ أو مدرٍ”الترمذي،ابن ماجه.

كل ما حولك من الجمادات تلبي بتلبيتك.

قد يقول قائل أنا ما اسمع شيء أي من الجمادات تلبي، نقول نعم هذا غيب أخبر به النبي وهو لا ينطق عن الهوى، ثم إن هذه الاشياء من الجمادات والشجر تشهد للملبي يوم القيامه. مثل المؤذن كما جاء في الحديث “فإنَّهُ لا يسمَعُ مدى صوتِ المؤذِّنِ جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيءٌ، إلَّا شَهدَ لَه يومَ القيامَةِ”البخاري،النسائي،ابن ماجه. يستحب للمؤذن أن يرفع صوته بالاذان حتى يشهد له جميع من سمعه من خلق الله عز وجل العاقل وغير العاقل.

الله سبحانه وتعالى ماذا يقول في القرآن؟ ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا )الزلزلة/4. هذه البقعه التي أنت تصلي عليها اليوم؟ تشهد لك يوم القيامه. إنك صليت في هذا المكان، وأنك فعلت معروفا في ذلك المكان. فيوم القيامه تشهد عليك الشهود، الشهود قد تكون من نفسك السمع والبصر واللسان والجوارح، الأيدي والأرجل كلها تشهد على الإنسان يوم القيامه.

ينبغي للإنسان إذا لبى هذه التلبية، أن يستحضر ما فيها من التوحيد، وما فيها من الثناء على الله عز وجل.

مخالفة لأهل الجاهلية في عمرة ذي القعدة وموعد انقطاع التلبية

النبي اعتمر هذه العمرة في ذي القعدة. والعرب في الجاهلية كانوا يحرمون العمرة في ذي القعدة. يقولون العمرة في ذي القعدة من أفجر الفجور. يقول لا يجوز أن يعتمر، يأتي حاج فقط.

-لكن النبي خالفهم، بل النبي اعتمر ثلاث مرات كلهن في ذي القعدة. كل عمراته كانت في ذي القعدة، فهذا رد على المشركين في هذا الاعتقاد الفاسد.

المسلم يرى متابعة الصحابة رضي الله عنهم لأفعال النبي حذو القذة بالقذة، إذا فعل شيئًا فعلوه، إذا ترك شيئًا تركوه. ثم لم يزل النبي ملبيًا حتى اقترب من البيت ورأى البيت الحرام قطع التلبية.

فالتلبية تنقطع عند الوصول إلى البيت الحرام، ومن أهل العلم من قال إن التلبية تنقطع عند دخول مكة.

صفة الطواف بالبيت الحرام والسنن المتعلقة به؟

1-النبي ابتدأ الطواف بالحجر الأسود، جاعلًا البيت عن يساره.
-الإنسان يبدأ الطواف من باب الكعبة، لا يصح، لأنه فوت خطوات، الباب بعد الحجر، فلا يصح هذا الشوط، مثلًا أحيانًا الإنسان لشدة الزحام ما يستطيع يأت- يبدأ من من الحجر، فيضطر أن يبدأ من وسط الطواف، هذا الطواف لا يحسب. لماذا؟ لأنه ما ابتدأه الحاج أو المعتمر من الحجر الأسود.
النبي استلم الحجر الأسود وقبله، وهذه سنة نبوية. ولا يشرع تقبيل أشياء أخرى على وجه التعبد.
يُقبل البعض أشياء على وجه التعبد بدون دليل وهذا يدخل في البدعة، لأن الرسول قبل الحجر الأسود، استلمه بيده، وقبله، ولما كان الحج استلمه بعصاه، استلمه بعصاه ثم قبل العصاة. لهذا قال أهل العلم لا يشرع تقبيل الركن اليماني، ولا يشرع استلام غير الركن والحجر. غير الركن اليماني لا يستلم ولا يقبل، والحجر هو الذي فقط يقبل ويستلم.
فالسنة النبوية كما تكون باتباع الفعل، تكون بالترك. شيء تركه النبي لا نفعله، لأن هذا يخالف هدي النبي .

2-النبي لما دخل إلى طواف العمرة اضطبع. والاضطباع أن يدخل رداءه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على كتفه، الاضطباع يشرع في طواف القدوم أو في طواف العمرة فقط، لا يشرع لا في طواف الإفاضة ولا غيره، إنما يشرع في طواف القدوم أو طواف العمرة، والاضطباع يكون سبعة أشواط.

إذا انتهى من الأشواط غطى كتفيه وصلى ركعتين عند المقام، ما استطاع أن يصلي عند المقام يتأخر يجعل المقام بينه وبين الكعبة ما استطاع، وإذا لم يتيسر يصلي في أي مكان من الحرم ركعتي الطواف بعد أن ينتهي.

3 -النبي سن أيضًا لأمته الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى. الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف بالبيت يسن للإنسان أن يرمل، يعني يقارب الخطى مع مع سرعة، يقارب خطاه لا يهرول، ليس هرولة، وإنما يقارب الخطى مع سرعة، فإذا طاف سبعة أشواط كاملة بعد ذلك يصلي ركعتين كما قلنا، متى؟ في أي مكان تيسر له.

ينبغي له أن يبادر إلى الطواف أو إلى المسعى لا يؤخر ذلك، هذا- هذه سنة النبي . إلا إذا كان معه شخص كبير في السن وأراد أن يستريح قليلاً بعد الطواف لا مانع، لكن النبي يعني والى بين الطواف ثم الصلاة ثم الدخول إلى المسعى من جهة الصفا.

صفة السعي بين الصفا والمروة وأحكامه؟

1- إذا دخل إلى المسعى من باب الصفا رقى على الصفا الذي هو جبل في هذا المكان، رقى عليه ثم قرأ قوله عز وجل: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ )البقرة/158، ويقول: “أبدأ بما بدأ الله به”، ما معنى أبدأ بما بدأ الله به؟ الله عز وجل لما ذكر الصفا والمروة ذكر الصفا قبل المروة، ولذلك الرسول من شدة اتباعه لكلام ربه يقول: “أبدأ بما بدأ الله به”، إن الصفا والمروة، فالله ذكر الصفا قبل المروة فلهذا بدأ به قبل المروة.

2- أن هذه الآية لا تشرع على المروة، ولا تشرع مرة ثانية على الصفا، بعض الناس يكرر هذه الآية كلما صعد على الصفا، هذا خطأ لا دليل عليه، لكن النبي كان يهلل ثلاث- كان يكبر ثلاثًا ويهلل ويدعو بين ذلك . لا يلزم صعود الصفا والارتقاء عليه عند الزحام، يكفي أن تصل إلى يعني جبل الصفا.

هذا الموقف أو هذا الموقع من العمرة يتجلى فيه التوحيد، لأن الرسول يكبر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فهذا التهليل وهذا التكبير إحياء للتوحيد، ودعوة للناس إلى التوحيد.

3- ثم ينزل من الصفا، فإذا بلغ بطن الوادي، الآن بطن الوادي قد جعلت له علامتان بأنوار خضراء، فيشرع له بين النورين أن يهرول، أن يشتد في مشيه إذا كان هناك متسع، أحيانًا يكون زحام شديد لا يستطيع الإنسان، لا يستطيع أن يهرول. وهذه الهرولة هي اقتداء بأمنا هاجر رضي الله عنها، فإنها لما نزلت من الصفا رفعت ثوبها وهرولت، لأنها كانت تبحث عن الماء لرضيعها، لطفلها، فكانت في توتر وفي حال شديدة من العطش حتى جاء الله تعالى لها بالفرج وأنبع لها ماء زمزم، خرج ماء زمزم كرامة لها ولابنها نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

النبي لم يحدد ذكرًا معينًا يقال في السعي بين الصفا والمروة، فلذلك اذكر الله بما تشاء، ادع الله بما تشاء.

-لا يوجد رفع أيدي وأنت تسعى، بعض الناس حتى الطواف بالبيت يرفع يديه، لا يثبت هذا لا عن النبي ولا عن الصحابة، ما كانوا يرفعون أيديهم بالدعاء أثناء الطواف بالبيت أو أثناء السعي بين الصفا والمروة.

4- اختتام الأشواط السبعة يكون على المروة، ينتهي الشوط السابع بالمروة.

5- بعد ذلك مباشرة يتحلل، يقص من شعره أو يحلق، والحلق أفضل لأن الرسول دعا للمحلقين ثلاثاً ودعا للمقصرين مرة واحدة.

فإذا تحلل تمتع إلى يوم التروية، تمتع بالمحظورات التي كانت محظورة عليه زمن الإحرام مثل قص الشعر، لبس ملابس يعني الملابس العادية، إتيان النساء، كل هذا مباح له إلى أن يحرم يوم الثامن من ذي الحجة