لا يحق للمسلم أن يحتال على شركة الكهرباء، فيقوم بسرقة التيار الكهربائي استنادا إلى أنها قد أخلت بالعقد الذي بينها وبينه، فالخطأ لا يعالج بخطأ آخر مثله.
وننوه إلى أنه لا يحق للجهات المعنية أن تخل بالعقد المبرم بين المستهلك وبينها في تحصيل قيمة الكهرباء، فإن أخلت بذلك فيكون العقد فاسد شرعا باطل قانونا، وعلى المتضررين من هذا الأمر تقديم شكوى لجهات أعلى.
وهذا الإجراء الذي اتخذته شركة كهرباء لا يجوز شرعا، ولا قانونا :-
فمن ناحية القانون:
فقد قضى القانون ببطلان هذا التصرف ، وعلى الجهات المختصة تنفيذ هذا القانون، فإن لم ينفذوا فعلى المستهلك أن يلجأ للقضاء لإجبارهم على تنفيذه.
أما من الناحية الشرعية فلا يجوز لما يلي:
1- أن هذا فيه مخالفة للعقد الذي أبرم بين المؤسسة وبين المستهلك، وتستند المؤسسة في هذا الإجراء إلى سلطان عقود الإذعان.
2- أن هذا الإجراء ينطبق عليه نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة، فقد روى أبو داود وغيره أن رسول الله ﷺ: “من باعَ بيعتينِ في بيعةٍ فلَهُ أوْكسُهما ، أوِ الرِّبا”أبو داود،ابن حبان.
وصحَّ عن ابن مسعود أنه قال : “لا يحلُّ صَفقتانِ في صفقةٍ وإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال لعن اللهُ آكلَ الرِّبا وموكلَه وشاهدَه وكاتبَه”أحمد،ابن حبان.
3- وفي إحدى الدراسات والأبحاث المقدمة إلى مجمع الفقه الإسلامي انتهت إلى أن كل صفقتين يجمع بينهما على وجه الاحتكار يدخل في النهي الوارد في هذه الأحاديث.
والأصل أن للمستهلكين أن يطالبوا الجهة التي اعتمدت هذا الإجراء حتى يحصلوا على كافة حقوقهم.
ولكن إذا لم يحصل المستهلكون على حقوقهم، ولم يتمكنوا من رفع هذا الظلم عنهم فهل يرفعونه بأنفسهم بأن يستهلكوا من طاقة الكهرباء بما يقابل المأخوذ منهم عنوة في خفية، وهذا متاح بضبط عدادات الكهرباء أو غير ذلك من الوسائل ؟…. هل يجوز هذا الإجراء؟
نقول لا يجوز هذا الإجراء للأسباب التالية:
1- عدم الدقة في رفع الإتاوة المفروضة، فالمستهلك لا يعرف مقدارها تحديدا حتى ينتفع بما يقابلها في الخفاء، وقد قال الله تعالى : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ)النحل:126.
وقد قال العلماء : إن الآية تنفر من القصاص في العقوبة بالقدر الذي تشرع فيه القصاص، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون دقيقا فيرد المظلمة الواقعة عليه بمثلها كما وكيفا، فيخشى أن يزيد فيمتنع؛ ولذلك جاء التزييل بأن الصبر خير.
ولعل من الآثار التي يذكرها الناس – هنا أيضا- أن هذا يدعو إلى الفوضى والاضطراب، ولكن هذا من الناحية العملية غير دقيق؛ لأن ضبط العداد في إمكان الناس أصلا، ولسنا نتحدث عن تعليم الناس هذه الخاصية، أو إمدادهم بها، ولكننا نتكلم عن حكم استخدامها وهي في إمكانهم، لذلك نرى أن هذا الأثر غير دقيق، ويغني عنه الأثر الأول الذي ذكر.
2- سيترتب على هذا الإجراء – أيضا- إضرار طائفة من الناس لا ذنب لها فيما اقترفته المؤسسة…. وهذه الطائفة هي: المساهمون المشاركون للمؤسسة في الطاقة الكهربائية، فمعلوم أن شركات الكهرباء ليست مملوكة ملكا تاما للدولة، ولكن يشركها في الملكية بعض المساهمين، ولعل نسبة المساهمين تكون أعلى من نسبة الدولة، فما ذنب هؤلاء المساهمين حتى يضاروا في أرباحهم مهما قيل في فحش هذا الربح؟!
وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية عن ” المظالم المشتركة التي تطلب من الشركاء مثل المشتركين في قرية أو مدينة إذا طلب منهم شيء يؤخذ على أموالهم أو رءوسهم : مثل الكلف السلطانية التي توضع عليهم كلهم ; إما على عدد رءوسهم أو عدد دوابهم أو عدد أشجارهم أو على قدر أموالهم كما يؤخذ منهم أكثر من الزكوات الواجبة بالشرع أو أكثر من الخراج الواجب بالشرع، أو تؤخذ منهم الكلف التي أحدثت في غير الأجناس الشرعية كما يوضع على المتبايعين للطعام والثياب والدواب والفاكهة…. هل يجوز التهرب من هذه المظالم حتى لو أضر التهرب بالآخرين فقال:-
فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل فيما يطلب منهم، وليس لبعضهم أن يظلم بعضا فيما يطلب منهم ; بل عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بغير حق كما عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بحق ؛فإن هذه الكلف التي أخذت منهم بسبب نفوسهم وأموالهم هي بمنزلة غيرها بالنسبة إليهم.
وإنما يختلف حالها بالنسبة إلى الأخذ فقد يكون أخذا بحق وقد يكون أخذا بباطل.
وأما المطالبون بها فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم فليس لبعضهم أن يظلم بعضا في ذلك ; بل العدل واجب لكل أحد على كل أحد في جميع الأحوال والظلم لا يباح شيء منه بحال؛حتى إن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يعدلوا على الكفار في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ )المائدة:8.
والمؤمنون كانوا يعادون الكفار بأمر الله فقال تعالى [ مبينا ] : لا يحملكم بغضكم للكفار على أن لا تعدلوا عليهم بل اعدلوا عليهم فإنه أقرب للتقوى. وحينئذ فهؤلاء المشتركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به ظلم غيره ; بل إما أن يؤدي قسطه فيكون عادلا، وإما أن يؤدي زائدا على قسطه فيعين شركاءه بما أخذ منهم فيكون محسنا. وليس له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك المال امتناعا يؤخذ به قسطه من سائر الشركاء فيتضاعف الظلم عليهم.
فوضح من هذا أنه إضرار بهؤلاء المساهمين للحكومة في الكهرباء لا يجوز.
3- يتحول المستهلك الذي قام بهذا التصرف من مجني عليه مظلوم إلى جاني سارق معاقب من قبل القانون، وهذا يترتب عليه ضرر أكبر من دفعه لفاتورة الكهرباء والنظافة والمسلم مطالب ألا يضع نفسه موضوع شبهة ناهينا عن أن يضع نفسه موضع سارق معاقب بنص القانون.
والحل في أن يمتنع الناس جميعا، ويرفعوا شكواهم إلى القضاء وإلى كافة المسئولين، وإلى كل الصحف، وأن يسلكوا كل الطرق التي يكفلها القانون ، حتى يدفعوا عنهم هذا الظلم، ولو وقفوا جميعا وقفة رجل واحد ما استطاع أحد أن يوقع عليهم أمر لا يقره القانون ولا العرف ولا الشرع.
ولكن…. هل إذا عجز المواطن عن دفع هذه الفاتورة المضاف إليها مبلغ الإذعان عجزا كليا، وأصبح مهددا بقطع الكهرباء عنه لفقره وعوزه فنرجو أن يسعه حينئذ أن يحتال على الفرار من هذه الغرامة بالطريقة التي تمكنه، وأما القادر على دفعها فأمامه ساحات القضاء، وتبقى حالات بين هذين المستويين يكون فيها صاحبها مفتي نفسه، والله رقيبه.