سبب عد العلماء الاستهزاء بالله وآياته من الكفر الأكبر هو نص الآية: ” قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ” والآية فيها مجال للعفو، وللعفو سبب وهو التوبة، كما أن للعقوبة سبب وهو التمادي، وهذا التفصيل واضح من سياق الآية بغض النظر عما ورد من سبب نزولها.

يقول الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار :

فإن قيل إنه بين سبب التعذيب وهو الإصرار على الإجرام ولم يبين سببا للعفو أفليس هذا دليلا على أنه لمحض الفضل؟

قلنا : إن ما بينه يدل على ما لم يبينه فإنه لماذكر أنهم كفروا بعد إيمانهم دل على أنهم استحقوا العذاب بكفرهم.

فبيانه بعد هذا لسبب تعذيب بعضهم دال على أن التعذيب ينتفي بانتفاء هذا السبب، وإنما يكون ذلك بترك النفاق وإجرامه والتوبة منهما ، والأدلة العامة تدل على أن الوعيد على الكفر لا بد من نفوذه على من لم يتب منه وأن الوعيد على الذنوب بعضه ينفذ وبعضه يدركه العفو.انتهى.

والأحاديث التي جاءت تبين أن كل من نطق الشهادتين فهو في الجنة مخصوصة بالردة، وإن لم تخص بالردة فلا يكون هناك شيء اسمه الردة أبدا، حتى لو كفر المسلم كفرا بواحا لأمكن ساعتها أن يقال إن هذا المرتد قد نطق بالشهادتين سلفا، وقد بين الله تعالى أن الشرك محبط لما سلف من العمل الصالح.

ضوابط الكفر بالاستهزاء بالله أو بالرسول أو بالقرآن؟

ضوابط الكفر بالاستهزاء بينها الشيخ العلامة – ابن العثيمين- رحمه الله-:
-الهزل والاستهزاء بالله أو بالرسول أو بالقرآن مناف لأصل التوحيد ، وكفر مخرج من الملة ، لكن بضابطه الذي ذكرناه ، وهو : أن الاستهزاء- وهو الاستنقاص واللعب والسخرية- يكون بالله- جل جلاله- أو يكون بالرسول أو يكون بالقرآن ، وهذا هو الذي جاء فيه النص قال- جل وعلا- : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }{ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } [التوبة : 65- 66].

فمن استنقص الله- جل وعلا- ، أو هزل بذكره لله- جل وعلا- ، يعني : حينما ذكر الله- جل وعلا- استهزأ وهزل ولم يظهر التعظيم في ذلك ، فتنقص الله- جل وعلا- كما يفعله بعض الفسقة ، والذين يقولون الكلمة لا يلقون لها بالا تهوي ببعضهم في النار سبعين خريفا ، أو هزل بالقرآن أو استهزأ بالقرآن أو بالسنة ، يعني : بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فإنه كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة هذا ضابط هذا الباب .

حكم الاستهزاء بالدين؟

يقول الشيخ العلامة – ابن العثيمين- رحمه الله-: يخرج عن ذلك ما لو استهزأ بالدين فإن الاستهزاء بالدين فيه تفصيل ، فإن المستهزئ بالدين ، أو الساب له ، أو اللاعن له ، قد يريد دين المستهزأ به ، ولا يريد دين الإسلام أصلا ، فلا يرجع استهزاؤه إلى واحد من الثلاثة ؛ فلهذا نقول : الكفر يكون أكبر إذا كان الاستهزاء بأحد الثلاثة التي ذكرنا ونصت عليها الآية ، أو كان راجعا إلى أحد الثلاثة .

-أما إذا كان الاستهزاء بشيء خارج عن ذلك ، فإنه يكون فيه تفصيل : فإن هزل بالدين ، فينظر هل يريد دين الإسلام ، أو يريد تدين فلان ؟ ومثال ذلك أن يأتي واحد من المسلمين ويستهزئ- مثلا- بهيئة أحد الناس وهيئته يكون فيها التزام بالسنة ، فهل يكون هذا مستهزئا الاستهزاء الذي يخرجه من الملة ؟

الجواب : لا ؛ لأن هذا الاستهزاء راجع إلى تدين هذا المرء ، وليس راجعا إلى الدين أصلا ، فيعرف بأن هذا سنة عن النبي فإذا علم أنه سنة ، وأقر بذلك ، وأن النبي فعله ثم استهزأ ، بمعنى : استنقص أو هزأ بالذي اتبع السنة مع علمه بأنها سنة وإقراره بصحة كونها سنه فهذا رجع إلى الاستهزاء بالرسول .

-وكذلك الاستهزاء بكلمات قد يكون مرجعها إلى القرآن ، وقد لا يكون مرجعها إلى القرآن فيكون فيه تفصيل.

فالخلاصة – إذا – أن الاستهزاء إذا كان بالله ، أو بصفاته ، أو بأسمائه ، أو بالرسول عليه الصلاة والسلام ، أو بالقرآن فإن هذا كفر ، وإن كان الاستهزاء غير ذلك فينظر : إن كان راجعا إلى أحد الثلاثة فهو كفر أكبر ، وإن كان غير ذلك فإنه يكون محرما ولا يكون كفرا أكبر ” وقول الله تعالى : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }{ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } [التوبة : 65- 66] : هذه الآية نص في أن المستهزئ بالله ، وبالرسول ، وبآيات الله- جل وعلا- والمقصود بها آيات الله- جل وعلا- الشرعية ، يعني : القران ، أن هذا المستهزئ كافر ، وأنه لا ينفعه اعتذاره بأنه كان في هزل ولعب بل هو كافر لأن تعظيم الله- جل وعلا- وتوحيده يوجب عليه أن لا يستهزئ .

وهذه الآية نزلت في المنافقين ، وبعض أهل العلم قال : ليست في المنافقين ، وهذا غلط وليس بصواب ، لأسباب ، منها : أن هذه السورة التي منها هذه الآية هي في حال المنافقين ؛ ولأن سياق الآية- سابقها ولاحقها- يدل على أن الضمائر ترجع إلى المنافقين . قال- جل وعلا- قبل هذه الآية في سورة براءة : { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ }{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } [ التوبة : 64 – 65 ] فالآية السابقة لآية الباب هي في المنافقين نصا ، فالضمير- إذا- في قوله : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ } يعود على من ذكر قبل هذه الآية ، وهم المنافقون المنصوص عليهم بقوله : { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ } ، وكذلك ما بعدها من الآيات في المنافقين في قوله- جل وعلا- { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } [التوبة : 67] والأدلة على ذلك كثيرة .

فالصواب في ذلك أن المراد بالآية هم المنافقون ، وأما أهل التوحيد فإنه لا يصدر منهم استهزاء أصلا ، ولو استهزءوا لعلمنا أنهم غير معظمين لله ، وأن توحيدهم ذهب أصلا لأن الاستهزاء يطرد التعظيم .