لم يقف دور المسجد عند أداء العبادات، بل كان للمسجد دور اجتماعي ،وسياسي،وقضائي،كما أنه يعلم الأمة روح الجماعة والاتحاد،وأن يكونوا صفًا واحدًا،كما أنه ملتقى لطرح مشاكل الأمة ،وإيجاد حل لها،وغير ذلك من الأدوار الفعالة للمسجد.

فضل المسجد والصلاة فيه؟

يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله-:
يقول الله تعالى : (في بُيوت أَذِنَ اللهُ أن تُرفَعَ ويُذكَرَ فيها اسمُه) (سورة النور: 36).
الرفع هنا ليس للدعائم والجدران، إنما هو للساحات الطَّهور التي تخصصت للركَّع السجود، فبعد أن كانت أرضًا عادية يغشاها أي إنسان أضحت أرضًا لا يدخلها إلا متوضئ، وبعد أن كانت لأي غرض عادي أضحت همزة وصل بين الناس ورب الناس، ومهادًا للمعراج الروحي الذي ينقُل البشر من مآربهم القريبة إلى مناجاة الله وتسبيحه وتمجيده! ليس هذا ارتقاءً معنويًّا للأرض نفسها.

جاء في السنَّة المُطَهَّرة أن رسول الله ـ ـ دخل ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار ـ يقال له: أبو أمامة ـ فقال: “يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟” قال: هموم لَزِمتني وديون يا رسول الله! فقال له: “ألا أعلمُك كلمات إذا قُلْتَهنّ أذهبَ الله عنك همَّك وقضى دَيْنك؟” قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: “قل إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال” فقلتُ ذلك فأذهب الله عني غمي وقضى دَيْني.

هذا رجل أحرجتْه الأيام، وبدل أن يذهب إلى بيت واحد من الأغنياء يستجديه، ويرقب الفرج عنده على نحو ما قيل:
يسقط الطير حيث يَنتثر الحَـ ـبُّ وتُغشَى منازل الكرماءْ،ذهب إلى بيت الله يرجو جَدَاه وينتظر نداه! فلم يَخِبْ سعيه ولم يَطُلْ همه!

لقد نفعته كلمات تعلمها من صاحب الرسالة غيرت نفسه وحياته.
وإذا كان الرسول قد استغرب وجود الرجل في المسجد في غير وقت صلاة، فإنه عزم على المسلمين كافة أن يثوبوا إلى المسجد وقت الصلاة وقال: “صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً” ”المنفرد“البخاري ومسلم؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لم يَخطُ خطوة إلا رَفعت له بها درجة، وحَطت عنه خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مُصلَّاه،كما جاء في الحديث عنه ـ ـ”المَلائِكَةُ تُصَلِّي علَى أحَدِكُمْ ما دامَ في مُصَلّاهُ، ما لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لا يَزالُ أحَدُكُمْ في صَلاةٍ ما دامَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أنْ يَنْقَلِبَ إلى أهْلِهِ” البخاري ومسلم.

والواجب أن تتوطَّد صلة المؤمن بالمسجد، وأن يكثر التردُّد عليه صباحًا ومساءً، بل ينبغي أن يتعلق به قلبه وأن يزداد له حبه.
قال عبد الله بن مسعود: لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقه أو مريض! إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة‍.

وقال: إن رسول الله علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدَى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. قال عبد الله: وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنَّة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.

وجمهور الفقهاء يرى الجماعة في المسجد سنَّة مؤكدة، ولا ريب أن التجمع نزعة أصيلة جادة في تعاليم الإسلام، وأن الجماعة من شعائره العظمى.

والإسلام يحارب بذلك المتدينَ المنهزمَ الفارَّ من الحياة العاجزَ عن مواجهتها، كما يحارب بعض المتدينين الذين يحسبون أنفسهم أزكى وأتقى، وأن مخالطة الناس تُنقصهم! فهم يؤثرون العزلة ويتهمون الغير، ويَغُطُّون كِبْرًا في صدورهم ما هم ببالغيه.
ولعل أولئك الذين عنَاهم ابن عباس لما سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد الجماعة ولا الجمعة، فقال: هذا من أهل النار.

رسالة المسجد في الإسلام؟

-إن رسالة المسجد في الإسلام حشد المؤمنين في صعيد واحد، ليتعارفوا ويتحابوا، ويتعاونوا على البر والتقوى ويتدارسوا ما يَعنِيهم من شئون.
وهذا التلَقِّي المنشود ليس حشر أجساد، إنما هو اندماج الفرد في المجتمع على أساس من الحب وطلب مرضاة الله، وعلى كل مسلم أن يرتفع إلى هذا المستوى، وأن يقتل نوازع الأنانية إذا حدثته بالعزلة لأمر ما، فقد جاء في الحديث: “ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلب امرئ مؤمن” أي لا يحقد أو يخون: “ثلاثٌ لا يُغلُّ علَيهِنَّ قلبُ مؤمنٍ : إخلاصُ العملِ للَّهِ ، والنَّصيحةُ لوُلاةِ المسلمينَ ، ولزومُ جماعتِهِم ، فإنَّ دَعوتَهُم ، تُحيطُ مِن ورائِهِم”ابن ماجة.
أي أن بركة الله على الجماعة تشمل الكل وإن كان بينهم مَن هو دونَهم، كما جاء في حديث آخر: “يدُ اللَّهِ مع الجماعَةِ ومن شذَّ شذَّ إلى النَّارِ”.

-ومن رسالة المسجد خلقُ نظامِ الصف، وتعويد المسلمين عليه، والغريب أن أمتنا أبعد الأمم عن احترام نظام الصف والخضوع له، مع ما ورد في تنظيم الصفوف بالمساجد من توكيد وتشديد.
وتأمل في هذا الحديث عن أبي مسعود: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: “اسْتَوُوا ولا تَختَلِفُوا ؛ فتَختلِفَ قلوبُكمْ ، و لِيلِيَنِي مِنكمْ أُولُو الأحلامِ والنُّهَى ، ثمَّ الذين يَلونَهمْ ، ثمَّ الذين يَلونَهُمْ”مسلم.

وفي رواية: “أَقيموا الصفوفَ وحاذُوا بالمناكبِ وسُدُّوا الخَلَلَ ، ولِينوا بأيدي إخوانِكم ، ولا تذَرُوا فُرُجاتٍ للشيطانِ ، ومن وصل صفًّا وصلَهُ اللهُ ، ومن قطع صفًّا قطعَه اللهُ”أبو داود وأحمد.
وكم يشعر المسلم بالأسى وهو يرى أمتَه في زحام الحياة تتحرك بروح القطيع، لا يهتم المرء إلا بنفسه ومصلحته! هذا الشعور الهابط يقتل العشَرات في مناسك الحج، لأن نظام الصف والإحساس بالغير مفقود عندنا، فالمسجد لا يؤدي رسالته!

-ومن رسالة المسجد رفع المستوى الثقافي للأمة، وذلك عن طريقين:
الطريق الأول:
تدبر ما يُتلَى من القرآن في الصلوات الجهرية وخطب الجمعة. والقرآن كتاب يتحدث في العقائد والعبادات والأخلاق والقوانين والشئون المحلية والدولية ويصف الكون ويسرد التواريخ مثلما يتحدث عن الله وصفاته وحقوقه سواء بسواء.

وقد كان ذلك المصدر الأول للمعرفة عند السلف، إذ أن سليقتهم اللغوية مكَّنتهم من الاستمداد المباشر من آيات الله، والحق أن الذين أنصتوا للرسول الكريم وهو يتلو كتابه بلغوا شَأْوًا لا يُضارَع من السمو الفكري والتربوي، فليس عجبًا أن ينطلقوا مشاعلَ هدًى في أرجاء الأرض وينقلوها من الظلمات إلى النور.

أما الطريق الثاني: تثقيف الأمة فهو الدروس التي انتظمت في ساحات المساجد، تتناول جميع العلوم، بل إن الشعر كان يُلْقَى في المسجد، وكان الصحابة يستمعون إلى حسان بن ثابت وهو ينشد قصائده!

ومعروف أن المدارس الفقهية الكبرى كانت في المساجد، وأن الأئمة العظام كانوا يَلقَوْنَ تلامذتَهم فيها، والفقه الإسلامي يحتوي على كل ما يهم البشرية من المهد إلى اللحد.

وقد روى التاريخ كيف أن امرأة من المصليات سمعت الخطيب يتحدث عن الجهاد ـ أيام الحروب الصليبية ـ فقصَّت شعرها، وأرسلت الضفائر إلى الإمام مقتَرِحة أن تكون قيدَ جواد لأحد المجاهدين، مما جعل المسجد يضِج بالحماس، وأغرى الرجال بالتفاني.
وقدكان سببًا في هزيمة الاستعمار ،وخروج الاحتلال من البلاد.