يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

إن الله تبارك وتعالى قد خلق الإنسان وخصه بأخلاق وخلال وصفات، وأوجب عليه أن يجاهد نفسه في الله، وأن يصلح من خلقه ومن طبعه ولو تطبّع به، ولو خلقه الله عليه. فهذا هو الابتلاء الذي ابتلى الله سبحانه وتعالى به الأنفس من النساء والرجال.

يقول الله تبارك وتعالى في هذه الخصال والخلال، في آيات من كتابه: ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا)المعارج/19-21.

الإنسان بطبعه خلق هلوعًا؛ شديد الفزع، شديد الخوف، حريصًا على مصالحه وعلى ما يجنيه من ثمرات وفوائد في حياته، يخشى أن يذهب منها شيء. حريص على الدنيا وعلى ملذاتها وشهواتها.

( إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ ) كان ( جَزُوعًا )؛ شديد الجزع، شديد الخوف، لا يصبر عند المصيبة، بل يهلع ويجزع وينسى الصبر الذي أمره الله تعالى به.

( وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا )؛ إذا جاءه الخير، إذا جاءه المال، يمنع هذا المال وهذه النعمة من أن تصل إلى غيره، يريد أن يحتفظ بها لنفسه فقط، يطمع ويظن بالمال وبالشهوات ولا يريد المشاركة. هذا ما يعبّر عنه بعض الناس بما يسمونه “الأنانية”، يعني أن يحتفظ بالخير لنفسه، جموع منوع، يجمع المال ويمنعه من حقوقه ولا ينفقه.

ثم استثنى ربنا سبحانه وتعالى، فقال: ( إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ )المعارج/22-23. العبد، الإنسان، من حيث هو إنسان، متصف بهذه الخصال، كما قال الله تبارك وتعالى: ( وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )الأحزاب/72. الإنسان بطبعه فيه ظلم، فيه تعدٍ، فيه جهل.

متى تتهذب هذه الأنفس؟ متى تتحسن صفاتها؟ متى تحصل على كمالها؟

-تحصل بالإيمان، وتحصل بطاعة الرحمن.

-هذه النفس الظالمة الجاهلة، الإنسان خُلِق هلوعًا منوعًا، لكنه يتغير، سبحان الله، إذا آمن بالله عز وجل، إذا انقاد لله، فإنه يتغير تغيرًا عظيمًا.

وهناك خصال يحبها الله سبحانه وتعالى في العبد وهي:

المداومة على الصلاة والخشوع فيها؟

قال تعالى: ( إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ). أهل الصلاة تهون في أعينهم الدنيا، فلا يكون الإنسان هلوعًا ولا منوعًا. الدنيا عنده هينة، لا يكتثر لها، لا يبالي لها أين أقبلت أو أدبرت. المهم عنده رضا الله سبحانه وتعالى، يقبل على الله، لا يريد أن يشغله شيء عن الله وعن الدار الآخرة.
( إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) لا تشغلهم تجارة ولا لهو عن ذكر الله وإقام الصلاة؛ لأن الدنيا هانت عليهم، وهانت في أعينهم.
لا يمكن أن يترك الصلاة لأجل الدينار، لا يمكن أن يترك الصلاة من أجل مصلحة أو منفعة أبدًا. ولذلك هو دائم على صلاته.
ليس كمن لا يصلي البتة والعياذ بالله. وتارك الصلاة البتة، الصحيح في أظهر قولي أهل العلم أنه كافر وليس بمسلم. الذي لا يصلي البتة هذا ليس بمسلم؛ لأن الله تبارك وتعالى وصف الكفار بذلك فقال تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ )المرسلات/48.
ماذا قال الله تعالى بعد ذلك؟ ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ )المرسلات/49. فالذي لا يصلي البتة هذا مكذب، مكذب بالكتاب، ومكذب بمن أنزل الله تعالى عليه الكتاب وهو رسول الله . لو كان مصدقًا لما ترك الصلاة البتة.

وأيضًا، المصلي الذي يصلي ويحافظ عليها في بعض الأوقات ويتركها في الأوقات الأخرى، هذا ليس بدائم على صلاته. ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) يداومون على صلاتهم، لا يتركون فرضًا، ولا يتهاونون به أبدًا، بل يحافظون على صلواتهم في أوقاتها.

وقال بعض أهل التفسير: “دَائِمُونَ” يعني “ساكنون”. يقولون: “ماء دائم” يعني ماء ساكن راكد. هكذا المصلي الخاشع، كما قال الله تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ )المؤمنون/1-2. ساكنون، راكدون، لا يستعجلون، لا في الركوع، ولا في السجود. لا ينقرون الصلاة نقر الغراب مستعجلين، لا يبالين، لا. دائمون، ساكنون، خاشعون في صلاتهم، يحافظون عليها بأوقاتها.

لا يصلون في موسم ويتركونها في موسم آخر، يصلي في رمضان وإذا انتهى رمضان انتهت الصلاة. يصلي يوم الجمعة وإذا انتهت الجمعة لم يعرف المسجد إلا في الجمعة التي تليها، لا. ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) يحافظون على الصلاة.

في المال حق معلوم للسائل والمحروم؟

ثم قال سبحانه وتعالى في الخصلة الثانية: ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )المعارج/24-25. لا يذكر الله سبحانه وتعالى حقه إلا ويذكر حق العباد. الصلاة حق الله، أوجبه الله عليه. من لم يعرف حق الله لا يمكن أن يؤدي حقوق العباد.
ولذلك قال من قال من أهل العلم: “إذا جاءك الخاطب، اسأل أول ما تسأل عن صلاته، لأنه إذا كان مقيمًا للصلاة، يعرف حق الله، فإنه سيعرف حق الزوجة. لكن الذي ضيع حق الله، هل تنتظر أن يؤدي حقوق العباد؟!”.
قال ابن المسيب أو غيره: “زوج ابنتك من تقي، إذا أحبها أكرمها، وإذا كرهها لم يهنها”. إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. هذا خلق المؤمن، هذا خلق المصلي، لا يظلم عباد الله؛ لأنه أدى حق الله عليه وهي الصلاة.

أعظم حق لله على عبد الله، بعد حق التوحيد، بعد إفراد الله تعالى بالعبادة قول: “لا إله إلا الله“، تأتي الصلاة، الركن الثاني من أركان الإيمان، عمود الدين، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي أنه سمى الصلاة بـ “عمود الإسلام”. وهل يقوم البيت بغير أعمدة؟ هل يقوم البيت والخباء والخيمة بغير عمود؟ لا. الصلاة عماد الدين، عمود الدين، من أقامها أقام دينه.

-ثم بعد ذلك تأتي الزكاة وتأتي الصدقات، ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )الذاريات/19، يؤدون حقوق الله الواجبة عليهم.

بعض الناس لا يؤدي حق الله عز وجل بالكلية في زكاته، في ماله، في زكاة ماله، وبعضهم يؤدي بعضًا منها ويترك البعض. إذا صار عنده مبلغ كبير ورأى الزكاة كثيرة، أدى جزءًا منها، يظن أنه تبرأ ذمته بذلك. لا، الله يطالبك بالباقي، الله يطالبك بما بقي عليك، لا تخادع الله، فإن الله لا يخادعه الإنسان. أَدِّ حق الله عليك، لا تستكثر الزكاة وهي ربع العشر، ليست عُشر المال، ليست نصف العُشر، بل هي يا عبد الله ربع العُشر من المال. يعطيك الله عز وجل مئةً، فيأخذ منك اثنين ونصفًا فقط. ما أقلها! ما أقل هذا المال الذي يؤخذ منك، ومع ذلك يستكثره الإنسان. ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ) يعلمونه، يعرفونه.

كذلك حقوق الزوجات، حقوق الأولاد، لا يبخلون بها.

بعض الأزواج يبخل على أسرته، ويبعثر المال ربما في الديوانيات وفي أنواع الولائم أو في السفرات أو في الهوايات الفاسدة، وأهل بيته بحاجة. أعظم دينار تنفقه هو دينار تنفقه على أهلك بعد الحق الواجب الذي يجب عليك. ( لِلسَّائِلِ ) الذي يتعرض لك بالسؤال، الذي يتعرض لك بالسؤال أَعْطِهِ ما لم ترَ منه ما يدل على كذبه، ولو أعطيته دون سؤال عن حاله جاز ذلك لأنه سائل. وإذا رددته فرده بكلمة طيبة.

( وَالْمَحْرُومِ ) هو المسكين، سماه الله تعالى محرومًا لأن الناس لا يفطنون له، ظاهره الغنى وهو محتاج، ولذلك لا يسأل الناس شيئًا فيُحرَم من أعطياتهم، ليس كالسائل. فعبد الله، الذي يقيم الصلاة، يؤدي حق الله عز وجل عليه في ماله وفي نعمته ( لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ).

ذكر الله تبارك وتعالى في هذه الآيات ثماني صفات يحبها سبحانه وتعالى في عباده، فانتبه لها أيها المسلم. اقرأ كتاب الله بتدبر وتأمل وفهم، فإن الله عز وجل إنما أنزل كتابه ليُقرأ ويُفهم، لا ليُقرأ ويُتلى فقط.

فالله سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآيات ثماني صفات يحبها الله تعالى من الإنسان؛ من الإنسان المهتدي، من الإنسان الصالح، من الإنسان المؤمن الذي آمن بالله تبارك وتعالى وبآياته وبرسله.

التصديق بيوم الدين والإشفاق من العذاب؟

قال عز وجل في الصفة الثالثة: ( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ )المعارج/26. الذين يصدقون، يؤمنون. التصديق هو الإيمان والإقرار بالقلب واللسان والانقياد بالأركان. يصدقون بيوم الدين، يوم الدين يعني يوم الجزاء. العرب تقول: “كما تدين تدان”. يوم الجزاء ويوم الحساب، فالمؤمنون يؤمنون بيوم البعث، يؤمنون بالبعث والنشور، يؤمنون بأن الله عز وجل ضرب لذلك أجلًا، قضى لذلك موعدًا لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى. ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً )الأعراف/187.
يوم القيامة يصدق به أهل الإيمان والإسلام، أن الله عز وجل جعل للعباد يومًا يرجعون فيه إليه بعد أن يبعثهم من قبورهم ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ )الأنبياء/104. فأهل الإيمان يصدقون بهذا اليوم، يصدقون بما يكون قبل هذا اليوم وما يكون فيه.
ما قبل هذا اليوم: علامات الساعة التي جاء ذكرها في القرآن والسنة. يصدقون بما يكون للعباد في قبورهم، فالقبر كما أخبر النبي : “إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار”.

يصدقون بما يكون في يوم القيامة من الميزان، والحشر، والصراط، والجنة، والنار، وما ذكر الله عز وجل في كتابه عن ذلك اليوم الآخر، اليوم العقيم الذي لا يوم بعده، اليوم الذي يغير فيه ربنا سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض، ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ )إبراهيم/48.

هذا اليوم العظيم يصدقون به، وتصديقهم به يعني أنهم صدقوا بالرسل، صدقوا بما أنزل الله من الكتب. فالذي أخبر باليوم الآخر هو الله، على لسان رسله، فهم إذن يؤمنون بالأنبياء والمرسلين، يؤمنون بما جاء في كتاب النبيين في هذا اليوم العظيم. هذا لازم لهذا، لا يكذبون ولا يردون شيئًا منه، ولا يحرفونه كما يعترض بعض أهل العقول الفاسدة على كتاب الله عز وجل وعلى سنة رسوله، يقولون: “كيف يعود هذا الإنسان بعد أن صار ترابًا؟ يعود لحمًا وعظمًا ودمًا وعصبًا بعد أن فارق الحياة؟!”.

يعيده الذي بدأه أول مرة وهو عليه هين سبحانه وتعالى. ( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )غافر/57.

هذا اليوم العظيم يعني الاستعداد له، الإيمان به يعني الاستعداد له. فالانسان إذا علم أنه سيرجع إلى الله، يحاسب نفسه على عمله. “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزنوا، فإن اليوم عمل ولا حساب”. اليوم عمل بلا حساب، اعمل ما تشاء.

ربما لا تجد من يحاسبك، خاصة إذا كنت وحدك، خاصة إذا كنت ذا سلطان، خاصة إذا كنت قويًا، اعمل ما تشاء، اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل. غدًا حساب ولا عمل، في الآخرة لا تستطيع أن تقول: “لا إله إلا الله”. في الآخرة انتهى موعد الأعمال، من آمن فقد آمن ومن كفر فقد كفر. في الآخرة لا تستطيع أن تقول لهم: “دعوني حتى أصلي ركعتين”. لا، ما في، انتهى، وقت العمل انتهى.

قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ )المعارج/26-28. يخافون، يخافون من عذاب الله، يجمعون بين الإيمان وبين الخوف من الله.

يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف من الله.

المنافق والفاجر لا يصلي ولا يصوم ولا يخاف الله.

والمؤمن جمع بين الإحسان وبين الخوف من الله عز وجل.

المنافق والفاجر جمع بين سوء العمل وبين الأمان من عذاب الله عز وجل، كأن عنده أمان من الله، ينام ملء أجفانه، يضيع الصلاة، يضيع حقوق العباد، ولا كأنه عمل شيئًا. جمع بين الأمان وبين سوء الأعمال، عافانا الله وإياكم من ذلك.