كما أمر الله عز وجل الأبناء برعاية الآباء ومعرفة حقوقهم فرض على الأباء واجبات تجاه أولادهم.

يقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة:

في خِضَمِّ انشغال المرء باكتساب أسباب الحياة له ولأسرته، قد لا يجد الوقت الكافي لإجادة تأديب أولاده وتربيتهم، ومُراقبة تصرُّفاتهم، ليعلَم القويم منها، فيُقِرُّه عليه، والمعوجّ فيها فيُقَوِّمه، وربما كان مُتَمَسَّك البعض أمام هذا القصور تجاه أولاده، أن توفير أسباب الحياة لهم، يأتي في المرتبة الأولى من مسؤولياته وواجباته نحوهم ليتضاءل نظرة ما سوى ذلك من الواجبات.

إلا أن الحقوق الأخرى للأولاد على الوالِدَيْن، لا تقل أهمية من اكتساب أسباب الحياة لهم، ومن هذه الحقوق ما يلي:

1ـ أن يختار الزوج زوجةً صالحة، تغرس في أولاده منها حبَّ الفضائل والخير والاستقامة؛ لأن صلاحها صلاح لأولادها، ولهذا رُوِي عن النبي ـ ـ أنه قال:”- تخيَّروا لنُطَفِكم ، فانكِحوا الأكفاءَ و أَنكِحوا إليهم”.

2ـ أن يختار لولده ذكرًا كان أو أنثى الاسمَ الحسن الذي لا يكره ولدُه أن يُنادَى به وأن يُعَلِّمَه القراءة والكتابة، وأن يُزَوِّجه إذا تاقت نفسه إلى النكاح، ولم يكن واجدًا لمُؤَن النكاح، لضيق ذات يده أو عجزه عن تدبير مُؤَن النكاح جميعها، لما رُوِي عن رسول الله ـ ـ قال: “- إنَّكُم تُدعَونَ يومَ القيامَةِ بأسمائِكُم وبأسماءِ آبائِكُم فأحسِنوا أسماءَكُم”.

3ـ أن يطعمه طيبًا، وأن يترك له مالاً طيِّبًا، وأن يعلمه هوايةً حسنة تفيده في دنياه ويُثاب عليها إذا تلهَّى بها، كالرماية، والسباحة، والغطس، والطيران، والهبوط منه، والفروسية، واختراع ما يفيد الناس وينفعهم أو الابتكار فيه، ونحو ذلك؛ روي أنَّ لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني، استعِنْ بالكسب الحلال.

4ـ أن يُعَلِّم أولاده كيفية أداء الصلاة إذا بلغوا سنَّ السابعة، وبيان ما تَصِح به صلاتهم، لما رُوِي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ـ ـ قال:” مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفَرِّقُوا بينهم في المضاجع”.

5ـ أن يحسن تأديب أولاده، وأن يَغرِس فيهم الخلُق.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله:يجب أن يُجنَّب الصبيُّ إذا عقل مجالس اللهو والباطل، والغناء وسماع الفحش والبدع ومنطق السُّوء؛ فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر.

قال الحافظ عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي رحمه الله لابنه: يا بني، أُوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته.

6ـ أن يساعد أولاده على اختيار القدوة الحسنة له، الذي يترسَّم نَهْجَه، ويتخلَّق بأخلاقه، ويتَأَسَّى بسيرته، فقد حضَّ الحق سبحانه المسلمين على التأسِّي برسول الله ـ ـ فقال تعالى: (لقدْ كانَ لكم في رسولِ الله أسوةٌ حسنةٌ لمَن كانَ يرجُو اللهَ واليومَ الآخِرَ وذكرَ الله كثيرًا)، وحضَّ رسول الله ـ ـ أمته على التأسِّي بخلُق أصحابه، فقال، : “أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتَدَيْتُم اهتديتم.

7ـ التسوية بين الأولاد في كل ما يمنح لهم من هدايا أو أُعْطِيات، ولو كانت تقبيلًا، وذلك لأنه أَدْعَى إلى نزع الغِلِّ والضغينة من صدورهم، وأدعى إلى مساواتهم في بِرِّ والِدَيْهم، فقد روى النعمان بن بشير قال:” تصدَّق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي: لا أرضى حتى تُشهد عليها رسول الله ـ ـ فجاء أبي إلى رسول ـ ـ ليُشهِدَه على الصدقة، فقال: أكلَّ ولدك أعطيتَ مثلَه؟ قال: لا، قال: فاتقوا اللهَ واعدلوا بين أولادِكم”، وفي رواية:” أتُحِبُّ أن يكونوا لك في البر سواءً، قال: نعم، قال فسوِّ بينهم”.

كل هذه وغيره يُعَدُّ من حقوق الأولاد على الوالِدَيْن، وهو لا يقل أهمية عن اكتساب أسباب الحياة لهم، من المأكل والمشرب والملبس والمسكن، ونحو ذلك.

وهذه الحقوق يُرَتِّب الوفاء بها التزامًا على الوالِدَيْن أمام الحق سبحانه الذي أوجب هذه الحقوق عليهما لأولاد هما، فهو سائلهما عن مدى الوفاء بها على وجهها المشروع، فقد رُوِيَ عن ابن عمر أن رسول الله ـ ـ قال: كلُّكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعيَة في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيَّتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راعٍ مسؤول عن رعيته.

-قال العلامة السعدي رحمه الله: صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم.

-قال العلامة العثيمين رحمه الله: من بركة الصلاح في الآباء أن يحفظ الله الأبناء.