يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

من الأخلاق العظيمة والعبادات العظيمة أيضا حسن الخلق، وحسن الظن بالله تبارك وتعالى والتفاؤل، وهذه العبادة مرتبطة بالإيمان بالقضاء والقدر، المؤمن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، ويؤمن بأن الله سبحانه وتعالى مقدر الأقدار، ومصرف الدهور والأيام والشهور، يقلب الليل والنهار، فلا يكره العبد تدبير الله، ولا يتسخط أقدار الله.

حسن الظن بالله وفي أقداره وشرعه؟

قال سبحانه وتعالى: ( وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )البقرة216، هذه الآية جاءت في سياق الكلام عن الجهاد، لما كتب الجهاد على المسلمين ثقل ذلك على بعضهم، لأن الجهاد فيه إزهاق الأرواح، فيه ذهاب الأموال، فيه تشتت الأسر أحياناً، فقال الله عز وجل لعباده: ( وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ )، صحيح أن الجهاد فيه بعض الضراء، لكن المصالح العظيمة المترتبة عليه أكبر من ذلك بكثير، فيه عز الإسلام والمسلمين، ورفعة دين الله، فيه عز المؤمنين وصلاح أحوالهم، فيه مرتبة الشهادة في سبيل الله التي هي أعلى منازل الجنة في الفردوس الأعلى، وغير ذلك من الأمور.

فالمؤمن يحسن ظنه بالله تبارك وتعالى في أحكام شرعه، قد يفعل الإنسان بعض الأمور كأن يصوم عن الطعام والشراب فيكره ذلك، لكن ليعلم أن في ذلك خيراً عظيماً، وكذلك إذا نزل به ضر، أو أصابه مرض أو فقر، أو تسلط عليه الأعداء، فإنه يحسن الظن بالله تبارك وتعالى ويقول: ( وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ).

لا تحزن، فالرسول لما هاجر ولحقه المشركون حتى أحاطوا بالغار، قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا، فقال له : “يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما”البخاري،مسلم، وقال الله تعالى في القرآن حكاية عنه: ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )التوبة40، وذلك بسبب حسن الظن بالله والثقة به.

ما حكم التشاؤم وما فضل التفاؤل؟

المسلم مأمور بحسن الظن بالله عز وجل والتفاؤل، فالتفاؤل بالخير خلق دعا إليه رسول الله ، كما في حديث البخاري قال : “لا طِيَرَةَ، وخَيْرُها الفَأْلُ”البخاري، لا تتطير ولا تتشائم، فالتشاؤم خلق منهي عنه ومذموم، وخير الأخلاق التفاؤل وحسن الظن بالله تبارك وتعالى.

والتفاؤل قد يكون بمقدمات يجعلها الله عز وجل لانفراج الأمور، مثل أن ترى منظراً حسناً، أو يُساق لك رجل هيّن.

الرسول لما أراد أن يكتب الصلح مع قريش جاءهم رجل اسمه سهيل بن عمرو، فقال النبي : “قد سَهَّلَ اللهُ لكم أمرَكم”أبو داود، فتفاءل بالاسم، تفاءل بالحال بالتيسير، أن يتفاءل الإنسان بما يُيسره الله عز وجل له من أمره، أو يجعل له من مقدمات ذلك.

كيف يكون حسن الظن بالله؟

أولاً -الثقة بموعود الله:
-قال الله تعالى: ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا )الطلاق7، الطلاق من أبغض الأشياء إلى الله عز وجل، وفيه ضرر على الزوج وعلى الزوجة في كثير من الأحيان، لكن إن اضطر الزوجان إلى الطلاق، فقد قال الله عز وجل في سورة الطلاق: ( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا )الطلاق1، ثق بموعود الله سبحانه وتعالى.

-ويقول الله عز وجل يقول لعباده: ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ )النمل62، من الذي يجيب المضطر؟ ومن الذي يكشف السوء؟ وقال سبحانه وتعالى: ( قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً )الأنعام63، من الذي ينجي الإنسان إذا أحاط به الموج وهو في سفينة في عرض البحر، في ظلمة الليل، والأمواج عالية، حتى المشركين كانوا إذا وقعوا في مثل هذا الموقف، رفعوا أيديهم إلى الله وقالوا يا الله يا رب نسوا الشرك، ونسوا الأصنام، ونسوا ما يدعون من دون الله عز وجل، وارتبطوا بالله عز وجل وتعلقوا به.

ثانياً – التفكر في كثرة نعم الله:

كثيراً ما يغفل الإنسان عن النظر إلى النعم ولا يهتم إلا بمشكلته، والله سبحانه وتعالى يقول: ( وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا )النحل18، انظر إلى ما حولك من النعم، وتفكر في آلاء الله عليك، فإن هذا مدعاة إلى نسيان هذا الغم والتفاؤل بأن الله سبحانه وتعالى الذي أعطانا كل هذا، ألا يعطينا غيره؟ ألا يمتن علينا من فضله؟ ألا يفرج كربنا ألا يزيل همنا وغمنا؟ بلى والله، فهذا كله مدعاة لإحسان الظن بالله تبارك وتعالى.

ثالثاً – صحبة الصالحين:

الصحبة الذين يذكرونك بالله، يذكونك بنعم الله وبموعوده، والنظر في أحوال الصالحين، في قصصهم وفي قصص النبيين يورثك حسن الظن بالله عز وجل.

قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: “أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، إنْ ظَنَّ بي خَيْرًا فَلَهُ، وإنْ ظَنَّ بي شَرًّا فَلَهُ”البخاري، أحسن الظن يا عبد الله، ولا تيأس من روح الله أبداً، وثق بالله سبحانه وتعالى وبرحمته الواسعة، فإن رحمته وسعت كل شيء، وإن رحمته تغلب غضبه.

رابعاً – كثرة ذكر الله والدعاء والتعلق به:

فإن هذا مما يُهدئ النفوس، ويطمئن القلوب، قال تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )الرعد28، الإنسان البعيد عن الله معرض للأمراض النفسية، الأمراض النفسية تغزو العالم كالاكتئاب، القلق الاضطراب النفسي، عدم القدرة على النوم،وغيرها، كل هذه أمراض تصيب الناس، أكثرها بسبب بعدهم عن الله، وعن ذكر الله، وعن قراءة القرآن، وعن إقامة الصلاة، وعن تعلق القلوب بالله سبحانه وتعالى الواحد الأحد.

متى كان القلب متعلقًا بالله لا يضره ما أصابه، الرسول وردت عنه أدعية كثيرة متنوعة في هذا الباب، لا ينبغي للعبد أن يغفل عنها ففيها الخير كله، ثق بالله سبحانه وتعالى، وبرحمته الواسعة، وأن رحمته عز وجل وسعت كل شيء، وأن رحمته تغلب غضبه، لا تيأس من روح الله أبدًا.