يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن نعم الله تبارك وتعالى على عباده لا تعد ولا تحصى، ومن تلك النعم التي أنعم الله تبارك وتعالى على عباده قديماً وحديثاً، الأنعام والآلات التي تسهل على بني آدم كل عسير، وتقرب له كل بعيد.
قال سبحانه وتعالى فيما أنعم على عباده: ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ )النحل/5-8.
-خلق الله عز وجل ما لا يعلمه الناس قديماً مما خلقه حديثاً، ويسر للناس صنعاً من السيارات والطائرات والآلات والأجهزة الحديثة.
-ومن ذلك وسائل التواصل بين الناس اليوم، التي يتواصلون بها عبر الهاتف النقال، والرسائل الإلكترونية، ومواقع التواصل المختلفة من واتساب، تويتر، فيسبوك وغيرها.
كانت الرسائل في الماضي يبعث الإنسان برسالة لا تصل إلى أهله إلا بعد أيام أو أسابيع، اليوم يمكن في لحظات، بل في ثوانٍ معدودة يرسل الرسائل إلى أناس في أقصى الدنيا فتصلهم الرسالة ويأتيه الجواب، هذا من تسخير الله سبحانه وتعالى.
وسائل التواصل سلاح ذو حدين؟
1- استعمله أناس في الخير فأفلحوا وأنجحوا وفازوا وظفروا بالأجور العظيمة والثواب الجزيل، كما لو استعملوه في الدعوة إلى الله، في التذكير بالله، في إقامة حجج الله على خلقه، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في التواصل بين الأرحام، في الأفراح والأتراح.
وقد قال سبحانه وتعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )فصلت/33.
-من أحسن من هذا الإنسان الذي يدعو إلى الله عز وجل بالكلمة الطيبة، بالموعظة الحسنة، بالحكمة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها؟
-من أحسن من هذا الإنسان؟ أجره عظيم، ثوابه جزيل، من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
2- وفي المقابل، استعمله أناس فيما لا يرضي الله عز وجل، وذلك بصور كثيرة مختلفة.
-استعمال وسائل التواصل له ضوابط شرعية بلا شك، فإن الله سبحانه وتعالى قد أنزل لنا شريعة تامة كاملة ضابطة لنواحي الحياة كلها.
مخالفات وسائل التواصل الاجتماعي؟
أولاً: نشر الأخبار الكاذبة، إشاعة الشائعات التي لا أصل لها، كلام مرسل لا يُعرف ما مصدره ومن قائله، وإنما شيء يشيع وينتشر وينقله بعض الناس ويرسله دون تفكر، وقد تنطوي تلك الشائعات على إشاعة رعب أو خوف أو إشاعة شحناء أو بغضاء بين أناس أو بين دول أو بين شعوب، فهذا مما يُسأل عنه العبد، وهذا من الخطر العظيم أن تكون سبباً في إشاعة كذبة لا أصل لها ولا صحة لها.
ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: “…أتَيْنا على رجُلٍ مُستَلْقٍ لقفاه وإذا آخَرُ عليه بكَلُّوبٍ مِن حديدٍ فإذا هو يأتي أحَدَ شِقَّيْ وجهِه فيُشَرْشِرُ شِدْقَه إلى قفاه ومَنخِرَه إلى قفاه وعينَه إلى قفاه ثمَّ يتحوَّلُ إلى الجانبِ الآخَرِ فيفعَلُ به مِثْلَ ما فعَل بالجانبِ الأوَّلِ فما يفرُغُ مِن ذلك الجانبِ حتَّى يصِحَّ الجانبُ الأوَّلُ كما كان ثمَّ يعودُ فيفعَلُ به مِثْلَ ما فعَل المرَّةَ الأُولى، فقلت: سبحان الله! سبحان الله! ما هذا؟ فقال الملكان وأمَّا الرَّجُلُ الَّذي أتَيْتَ عليه يُشَرْشَرُ شِدْقُه إلى قَفاهُ وعينُه إلى قفاه ومَنخِرُه إلى قفاه فإنَّه الرَّجُلُ يغدو مِن بيتِه فيكذِبُ الكِذْبةَ فتبلُغُ الآفاقَ…”البخاري ومسلم والترمذي، يكذب كذبة يفتري على عباد الله، يفتري على شرع الله، يفتري على ولاة المسلمين، يفتري على علماء المسلمين، كذبة تبلغ الآفاق، فهذا عذابه!
كيف وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )ق/18، ما يلفظ من قول إلا وملكان عن اليمين والشمال قعيد، يسجلان ويكتبان كل ما يقوله هذا الإنسان، أحصى على الإنسان أقواله، فلا يتكلم بكلمة إن كانت خيراً كتبها صاحب اليمين، وإن كانت سوءاً وشراً كتبها صاحب الشمال.
احذر يا مسلم ويا مسلمة، احذر لسانك أيها الإنسان، لا يلدغنك إنه ثعبان، كم في المقابر من قتيل لسانه، كانت تهاب لقاءه الشجعان. احذر يا عبد الله من خطايا اللسان فإنها خطيرة. اليوم بلمسة زر وبلمسة إصبع تستطيع أن تنشر وأن تقول وأن تفتري وأن تكذب، احذر يا عبد الله.
ثانياً: نشر الأحاديث الضعيفة أو المكذوبة على رسول الله ﷺ، على صاحب الشريعة! الكذب على رسول الله ﷺ ليس كالكذب على فلان وفلان، الكذب على رسول الله كذب على الله، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ )الأنعام/21.
-وقال ﷺ: “إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحَدٍ، مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فليَتَبَوَّأْ مَقعَدَه مِنَ النَّارِ”البخاري وأحمد”، الكذب على النبي ﷺ ليس كالكذب على الناس؛ لأن كلامه ﷺ شرع، لأن كلامه وحي، فإذا قال “قال رسول الله” فليتثبت من هذا الحديث الذي يقوله،وإلا فليختار مقعده من النار والعياذ بالله تعالى.
-فاحذر أن تنشر حديثاً لا تعلم صحته!
-احذر أن تنشر مقطعاً فيه ذكر أو فيه دعاء مرفوع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام دون أن تتحقق من صحته أو من مصدره، هل هو من عالم موثوق به أو جهة موثوق بها أم لا؟
ثالثاً: من بلايا ورزايا وسائل التواصل اليوم: نقل الصور الفاضحة، الاستهانة بنقل ما حرّم الله، وذلك أن هذه الأجهزة النقالة يسهل فيها وضع الروابط الخبيثة ووضع المواقع المجرمة التي تنشر ما حرّم الله، تحارب الفضيلة وتدعو إلى الرذيلة.
-سهلاً جداً على الإنسان أن ينقل هذه المقاطع وأن يدخل إليها وأن يوصلها إلى غيره، وربما تساهل حتى بعض الصالحين في نشر الصور التي لا تحل ولا يحل للرجل أن ينظر إليها لفتنتها وشرها وبلائها، لكن تساهل كثير من الناس في ذلك.
-وقد قال ﷺ: “كتب على ابنِ آدمَ حظُّه من الزنا فهو مدركٌ ذلك لا محالةَ ، فالعينانِ تزنيانِ وزناهما النظرُ ، والأذنانِ تزنيانِ وزناهما السمعُ ، واليدان تزنيان وزناهُما البطشُ ، والرِّجلانِ تزنيانِ وزناهُما المشيُ ، والقلبُ يتمنى ويشتهي ، والفرجُ يصدقُ ذلك أو يكذبُه”البخاري ومسلم وأبو داود. احذر يا عبد الله من النظر، من النظر إلى ما لا يحل.
-وقد قال ﷺ: “…إنَّ أوَّلَ فِتنةِ بَني إسرائيلَ كانَت في النِّساءِ..”مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: “ما تَرَكتُ بَعدي فِتنةً أضَرَّ على الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ”البخاري ومسلم، إن نشرت صورة لا تحل فعليك وزرها ووزر من نظر إليها إلى يوم القيامة، إلى أن تتوب إلى الله عز وجل، فاحذر يا عبد الله من ذلك.
رابعاً: من بلايا ورزايا وسائل التواصل: الإساءة إلى القبائل، الإساءة إلى العوائل، الإساءة إلى الشعوب، إلى المسلمين، إلى الضعفاء، إلى الفقراء، إلى أصحاب المهن الضعيفة. كثير من الناس جعل السخرية والاستهزاء مادة للضحك والمزاح.
-والله تبارك وتعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )، خطاب إلى من آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )الحجرات/11.
-وقال عز وجل بعدها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ )الحجرات/12.
-وقال سبحانه وتعالى بعدها: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )الحجرات/13.
الآثار الاجتماعية والأخلاقية على الأفراد والأسر؟
ينبغي للعبد أن يراقب الله تبارك وتعالى في هذه الوسائل، فإن الله عز وجل مطلع على عباده قال تعالى: ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )الشعراء/218-220.
-هذه الأجهزة وهذه الوسائل ألهت كثيراً من الناس عن واجبات كثيرة:
-تدخل أحياناً إلى المجلس أو إلى الديوانية فترى كل شخص منشغلاً بهاتفه، لا يكاد يلتفت إلى جليسه ولا يكاد يلتفت إلى قريبه ولا يتحدث معه إلا قليلاً.
-تدخل إلى بعض المصالح أو المؤسسات فتجد الموظفين منشغلين بهذه الوسائل حتى ربما أخروا أعمال المسلمين وربما عطلوها وربما لم يلتفتوا إلى من جاء لينجز معاملة.
هذا من الإسراف، هذا من التعدي، هذا من الظلم!
-من الظلم أن يزورك انسان لا تلتفت إليه، أين حق الزائر؟ أين صلة الرحم التي أمر الله بها؟
-تنشغل بهذا الهاتف عند والدك عند والدتك حتى لا تكاد تتحدث معها إلا قليلاً! لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا من العجز، هذا من التكاسل عن القيام بما أمر الله عز وجل.
من المؤسف أيها المسلم وأيتها المسلمة أن هذه الأجهزة صارت بأيدي الصغار، تؤثر على صحتهم، على عيونهم، على صحتهم النفسية، ربما انحرف الطفل وهو صغير بسبب ما يشاهده أو ما يطلع عليه بدون قيد.
-هذه الأجهزة فيها قيود، يستطيع الإنسان أن يقيدها، يستطيع أن يضبطها. المسلم حياته مضبوطة، ليست هكذا مرسلة دون ضابط ولا قيد.
-انتبه يا عبد الله إلى ولدك فإنهم أمانة ومسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، وقد قال ﷺ: “كُلُّكُم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه؛ فالإمامُ راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والرَّجُلُ في أهلِه راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والمَرأةُ في بَيتِ زَوجِها راعيةٌ وهي مَسؤولةٌ عن رَعيَّتِها….”البخاري ومسلم.
والله سبحانه وتعالى إذا كثر شر شيء حَرُمه، قاعدة شرعية يا عبد الله: ما زاد شره على خيره يحرم استعماله، أي باب يأتيك منه شر عظيم أغلقه.
-فمتى كان الشيء ضاراً وضرره أشد من منفعته فهو حرام، حرام عليك أنت وعلى غيرك.
-ربما بعض الناس لا يحسن استعمال هذا الأمر فنمنعه حتى يعود إلى رشده، حتى يتوب إلى الله عز وجل.
ومن القواعد الشرعية العظيمة: إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل. إذا أردت أن تنقل انقل شيئاً صحيحاً، وهذا الشيء يجب ألا يكون ضاراً؛ لأن ليس كل ما يُعرف يقال، قد يكون الأمر حقيقي وصحيح لكن إشاعته بين الناس فيه مضرة، كذلك لا تدعي شيئاً بغير دليل ولا برهان.