اختلف الفقهاء في جواز تمليك الدين لغير المدين سواء كان التمليك بعوض كبيع الدين أو بغير عوض كهبته، وسبب الخلاف بين الفقهاء هو ما قد ينشأ عن تمليك الدين من غرر يضر بمصلحة المشتري لهذا الدين أو الموهوب له، فعند التأكد من وجود الغرر فالقول بالمنع محل اتفاق بين الفقهاء، ومن أجاز تمليك الدين من الفقهاء وضع من الشروط ما يضمن حق المشتري لهذا الدين.
فذهب جمهور الفقهاء الحنفية والحنابلة والأظهر عند الشافعية إلى أنه لا يجوز تمليك الدين لغير المدين مطلقا سواء كان بعوض أم بغير عوض؛ وذلك لعدم القدرة على تسليم الدين وقت هبة الدين أو بيعه لأن المدين قد يجحد الدين أو يمتنع عن السداد وفي هذا غرر، وقد استثنى الحنفية صورا يجوز فيها تمليك الدين وهذه الصور ينتفي فيها الغرر ومن ثم قالوا بالجواز.
وعند المالكية، ومقابل الأظهر عند الشافعية يجوز تمليك الدين وقد وضع كل منهما شروطا كلها تدور حول ضمان حق من سيتملك هذا الدين وتؤكد على انتفاء الغرر.
حكم تمليك الدين لغير من عليه الدين؟
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
اختلف الفقهاء في حكم تمليك الدين لغير من عليه على أربعة أقوال:
القول الأول: رواية عن أحمد ووجه عند الشافعية: وهو أنه يجوز تمليك الدين من غير من عليه الدين بعوض وبغير عوض .
القول الثاني: للحنفية، والحنابلة، والشافعية في الأظهر: وهو أنه لا يصح تمليك الدين لغير من هو عليه، سواء أكان بعوض أم بغير عوض، كأن يقول شخص لآخر: وهبتك ما لي من دين على فلان، فيقبل، أو يقول له: اشتريت منك كذا بما لي من دين على فلان، فيقبل أو يقول له: استأجرت منك كذا بالدين الثابت لي في ذمة فلان ، فيقبل، فهذا كله غير جائز؛ لأن الواهب أو المشتري أو المستأجر يهب أو يبيع ما ليس في يده ، ولا له من السلطة شرعا ما يمكنه من قبضه منه ، فكان بيعا لشيء لا يقدر على تسليمه ، إذ ربما منعه المدين أو جحده ، وذلك غرر ، فلا يجوز .
وقد استثنى الحنفية من قاعدة عدم جواز تمليك الدين لغير من هو عليه ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا وكل الدائن الشخص الذي ملكه الدائن في قبض ذلك الدين من مدينه ، فيصح ذلك ، ويقبض الدين من المدين باعتباره وكيلا عن الدائن ، وبمجرد القبض يصير قابضا لنفسه ، وتنتقل ملكية الدين إليه .
الحالة الثانية: إذا أحال الدائن الشخص الذي ملكه الدين على مدينه ، فيصح ذلك ، ويقبض الدين من المدين باعتباره محالا من الدائن عليه ، وبمجرد القبض تنتقل ملكية الدين إليه.
الحالة الثالثة: الوصية ، فإنها تصح بالدين لغير من هو عليه ؛ لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت ، فينتقل الملك فيه كما ينتقل بالإرث .
القول الثالث: للشافعية في قول – صححه كثير من أئمتهم كالشيرازي في المهذب والنووي في زوائد الروضة ، واختاره السبكي وأفتى به زكريا الأنصاري وغيره – وهو أنه يجوز بيع سائر الديون – عدا دين السلم – لغير من عليه الدين ، كما يجوز بيعها للمدين ولا فرق ، وذلك إذا كان الدين حالا والمدين مقرا مليئا أو عليه بينة لا كلفة في إقامتها . وذلك لانتفاء الغرر الناشئ عن عدم قدرة الدائن على تسليم الدين إليه . وكما اشترط التقابض في المجلس في بيع الدين للمدين إذا كان بما لا يباع به نسيئة – كالربويات ببعضها – فإنه يشترط كذلك في بيع الدين لغير من هو عليه .
القول الرابع: للمالكية، وهو أنه يجوز بيع الدين لغير المدين بشروط تباعد بينه وبين الغرر ، وتنفي عنه سائر المحظورات الأخرى.
شروط بيع الدين لغير المدين عند المالكية؟
هذه الشروط ثمانية:
1 – أن يعجل المشتري الثمن ؛ لأنه إذا لم يعجل في الحين فإنه يكون من بيع الدين بالدين.
2 – أن يكون المدين حاضرا في البلد ؛ ليعلم من فقر أو غنى ؛ لأن عوض الدين يختلف باختلاف حال المدين ، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولا .
3 – أن يكون المدين مقرا بالدين ، فإن كان منكرا له فلا يجوز بيع دينه ولو كان ثابتا بالبينة حسما للمنازعات .
4 – أن يباع بغير جنسه ، أو بجنسه بشرط أن يكون مساويا له .
5 – ألا يكون ذهبا بفضة ولا عكسه ، لاشتراط التقابض في صحة بيعها .
6 – ألا يكون بين المشتري والمدين عداوة .
7 – أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه ، احترازا مما لو كان طعاما ، إذ لا يجوز بيعه قبل قبضه.