يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
من مبادئ الإسلام العظيمه الدعوة إلى الألفة والمحبة بين الناس، ونبذ الفرقه والاختلاف، يقول جل في علاه: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) آل عمران 103،هذا من الأوامر العظيمه التي أمر الله سبحانه وتعالى به، ونحن ننبه ونعظم، أن أولى ما تكون هذه الصلة، وهذه المحبة والألفة، بين الأرحام، بين الأقارب، كيف ونحن في كل خطبة نقول اتقوا الله والأرحام، أن الله عز وجل أمر بتقواه، ثم نبه على الأرحام، أن يتقي العبد ربه في أرحامه، فهم أولى من تكون لهم المحبه، وأولى من تكون لهم الصله، وأولى من يكون لهم الإحسان والتواصل، لأن الله سبحانه وتعالى ذكرهم في كتابه في أول ما يتقيه العبد ربه سبحانه وتعالى.
وجاء في الصحيحين: ” إنَّ اللهَ تعالى خَلق الخلقَ ، حتَّى إذا فرغَ مِن خلْقِه قامتِ الرَّحِمُ ، فقال : مَهْ ؟ قالَت : هذا مَقامُ العائذِ بكَ من القَطيعةِ ،-الرحم لما خلقها الله استعاذت بالله عزوجل- قال لها الله عز وجل : نَعم، أمَا ترضَيْنَ أن أصلَ من وصلَكِ ، وأقطعَ مَن قطعَكِ ؟ قالَت ؟ بلَى يا ربِّ ! قال فذلكَ لكِ”. لا إله إلا الله فالله يصل من يصل رحمه.
يصله بماذا؟ يصله بأنواع البر والإحسان، والأجر والثواب العاجل والآجل، وأما من قطع رحمه، فإن الله يقطعه من الخير، يقطعه من الإحسان، كما قال ربنا عز وجل في هذا الحديث.
كيف تكون صلة الأرحام؟
صلة الرحم ليست هي رد الإحسان، إن وصلوني وصلتهم، وإن قطعوني قطعتهم، لا، ليس الواصل بالمكافئ كما قال النبي ﷺ، إذا زارك رددت له الزياره، هذه مكأفاه، فقد قال ﷺ: “ليس الواصلُ بالمكافِيءِ ولكنَّ الواصِلَ الذي إذا انقطعتْ رحمُه وصلَها”البخاري، أبوداود،الترمذي، هذا الواصل الحقيقي، هذا هو الذي يستحق إسم الواصل، أنه إذا قطعت رحمه لا يقطعها، بل يضل يتواصل، لأنه يحتسب الأجر عند الله عز وجل، لا يريد من الناس شيئا، إنما يحتسب ذلك عند ربه ومولاه.
جاء رجل كما في الصحيح إلى الرسول ﷺ قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ لي قرابةً أصِلُهم ويقطَعوني، وأُحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهَلون عليَّ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “لئنْ كان كما تقولُ لكأنَّما تُسِفُّهم المَلُّ، ولا يزالُ معك مِن اللهِ ظهيرٌ ما دُمْتَ على ذلك”مسلم،أحمد.
-بعض الناس إذا أراد أن يسأل ويستفتي، يظهر نفسه بمظهر المظلوم، وأنه كذا، وقد يخفي الحقائق، ولذلك الرسول ﷺ جاوبه جوابا دقيقا فقال له: “إن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المل” يعني كأنك تطعمهم الرماد الحار، كأنك تطعمهم النار والعياذ بالله، “ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك” لا يزال معك من الله ظهير عليهم، ومعاون ومساند ما دمت على حالك هذا، إذا كنت تحسن ويسيئون، وتصل ويقطعون، وتحلم عنهم ويجهلون، فإن الله عز وجل معينك، وهو معك جل جلاله، وكفى به حسيبا.
المدة التي يجب فيها صلة الأرحام؟
صله الرحم تكون بحسب الأحوال، وقد يسأل سائل كم أصل رحمي في الإسبوع، على ما جرت به العادات، وعلى ما سمح به الوقت والظروف، فهي تختلف من بيئه إلى بيئه، ومن بلد إلى بلد، ومن عائله إلى عائله، لكن الصله تكون بإفشاء السلام، والسؤال، والمعاونه، وهو من أول الأوامر النبويه التي أطلقها النبي صلى ﷺ لما وصل إلى المدينه المشرفه، إلى مدينته ﷺ، أول ما أمر عندما استقبله الناس، وجاء مهاجر من مكه، فقال ﷺ: “أيُّها الناسُ أفشوا السلامَ وأطعِموا الطعامَ وصِلُوا الأرحامَ وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ تدخلوا الجنةَ بسلامٍ”الترمذي،ابن ماجة.
هذا من أوائل ما توجه به النبي ﷺ إلى الناس، أفشوا السلام، لا تعرض عن أرحامك، تواصل معهم، والتواصل اليوم بفضل الله تعالى سهل متيسر، وأطعم الطعام وهم أولى الناس إذا كانوا بحاجة، إذا كان أقاربك بحاجه لا تطعم البعيد وتتركهم، الرسول ﷺ يقول – “الصدقةُ على المسكينِ صدقةٌ وعلى ذي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صدقةٌ وصِلَةٌ”الترمذي،النسائي،ابن ماجة، أحمد.
لك أيها المسلم أجران إن تصدقت على قريبك لك اجر الصدقه ولك أجر صله الرحم، فلك أجران عند الله عز وجل، فانتبه لهذا الأمر العظيم.
وأيضا إن الرحم هم أولى الناس بالنصيحه، أولى الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنصح أقاربك، بعض الناس يترك أهله وأقاربه وبلده ويذهب إلى الهند والسند، إبدأ بأهلك، إبدأ بأقاربك، إبدأ بأهل مجتمعك، هم أقرب الناس إليك، واصبر على هذا، قدم النصيحه لهم.
الرسول ﷺ نزل عليه قوله عز وجل ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )الشعراء214، صعد على الصفا ﷺ وجعل ينادي بطون قريش، يا بني كعب بن مره، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، يا عباس، سلوني من مالي ما شئت لا أغني عنكم من الله شيئا، يا فاطمه بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا، أنذرهم النار، أنذرهم عقاب الجبار سبحانه وتعالى، فأول من توجه له النصيحه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر هم أقاربك، لأنهم أولى بالخير، وأولى بالاحسان، وأعظم الإحسان أن تؤدي لهم النصيحه، وأن تذكرهم بالله جل جلاله.
ثمرات صلة الرحم؟
صله الرحم لها ثمرات عظيمه، ثمرات عاجله، وثمرات آجله.
من الثمرات العاجله:
-الحديث المشهور يقول ﷺ: “مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”مسلم.
إذا أردت أن يبسط الله لك الأرزاق، وأن يوسع الله عليك، وأردت أن يطول عمرك، وهما غايتان يركض وراءهما الخلق، الناس كلها تركض، حول ما يزيد في الرزق، وما يطيل العمر، وما يدفع الآفات والهلكات، الرسول ﷺ يقول فليصل رحمه، إذا أردت هذه الثمرات.
-ويقول في الحديث الآخر ﷺ: “صلةُ الرحمِ وحسنُ الجوارِ وحسنُ الخلقِ يُعمِّرانِ الديارَ ويزيدانِ في الأعمارِ”أحمد،ابن حبان .
الديار تعمر بحسن الخلق، وبصله الرحم، لا بقطيعه الأرحام، ولا في السعي في تقطيع الأرحام وتفريقهم، والعياذ بالله.
ما هو جزاء قطع الأرحام؟
-هناك أناس مرضى، قلوبهم مريضه سوداء، تسعى في تفريق شمل الأسر، والتفريق بين الأرحام، ونقل الكلام، والنميمه والغيبه، وهؤلاء عذابهم معجل في الدنيا قبل الآخره، قال ﷺ: “ما مِن ذنبٍ أجدَرَ أنْ يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدُّنيا مع ما يدَّخِرُ له في الآخرةِ مِن البغيِ وقطيعةِ الرَّحمِ”أبوداود، الترمذي،ابن ماجة، أحمد.
البغي هو الظلم، كلام السلف واضح، المظلوم لابد أن يرى عقوبه الظالم بعينيه، يعجل الله عز وجل له العقوبه هذا الظالم.
والأمر الآخر قاطع الرحم.
-والأعظم من هذا يقول ﷺ كما في الصحيحين:” لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ”البخاري ومسلم، لا يدخل الجنه قاطع رحم، قال أهل العلم يعني ولو كان من المسلمين يؤخر، لا يدخل مع أول الداخلين إلى جنات النعيم، العياذ بالله العظيم.