يقول الأستاذ الدكتورعبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة:
في زمان نَكِد كزماننا هذا لا يكاد المرء يقف على صورة من صور بِر الأبناء بآبائهم، بل إن صور الجحود صارت فاشيَة، متخذة أشكالاً عدة، أقلها التأفيف للوالِدَيْن، وأوسطها إيداعهما دُورَ المسنِّين، وأشدها إنهاء حياتهما بالقتل، وبين هذه الدرجات الثلاث صور تُدْمِي القلب لنماذج من عقوق الوالِدَيْن انتشرت في زماننا بين طوائف كثيرة من الناس على اختلاف ثقافاتهم، تصل أحداثها إلى مسامعنا فتَصُكُّها، أو تفاجئ ناظِرَنا فتَبْهَتُنا، أو تَهُزُّ وجدانَنا بعنف عند قراءة تفصيلاتها.
وإنه لمِن نافلة القول أن يُقال بوجوب بِرِّ الوالِدَيْن والإحسان إليهما، وذلك بمُعاشرتهما بالمعروف، والتواضُع لهما، وامتثال أمرهما، وغير ذلك من حقوق أوجبها الله سبحانه للوالِدَيْن على المولودَيْن، وقد وردت نصوص كثيرة تؤكد هذا الحكم من ذلك:
-قوله سبحانه: (ووَصَّيْنَا الإنسانَ بوالِدَيْه حُسْنًا..) (العنكبوت: 8).
-وقوله تعالى: (ووَصَّيْنَا الإنسانَ بوالديه حَمَلَتْه أمُّه وَهْنًا على وَهْنٍ وفِصَالُه في عامين أنِ اشْكُرْ لي ولوالديكَ إليَّ المصير) (لقمان: 14).
-وقوله جل شأنه: (ووَصَّيْنَا الإنسانَ بوالديه إحسانًا حَمَلَتْه أمُّه كُرْهًا ووَضَعَتْه كُرْهًا.. ) (الأحقاف: 15).
-ورُوِيَ عن ابن مسعود قال: سألت رسولَ الله ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: “الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله”.
-ورُوِيَ عن عبد الله بن عمرو: “أن رجلًا جاء إلى النبي ـ ﷺ ـ فاستأذَنَه في الجهاد، فقال ﷺ: أحَيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجَاهِدْ”.
-ورُوِيَ عن أبي سعيد: “أن رجلاً من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله ـ ﷺ ـ فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبوايَ، قال: أَذِنَا لك؟ قال: لا، قال: فارجعْ إليهما فاستأْذِنْهُما، فإنْ أَذِنَا لك فجاهد وإلا فبِرَّهما”.
-وأتيُ رجل النبي ـ ﷺ ـ يستَشِيره في الجهاد، فقال: ألكَ والدان؟ قلتُ: نعم، قال: الزَمْهُما، فإن الجنةَ تحت أرجُلِهما”…
إلى غير ذلك من نصوص قرآنية وأحاديث كثيرة، كلها تأمر ببر الوالِدَيْن.
صور عدم البر؟
ليس من البر بهما التأفيف، أو إغلاظ القول لهما، أو رفع الصوت عليهما، أو تجاهلهما، أو التَّنَكُّر لهما، أو إبعادهما إلى دُور العَجَزة والمسنِّين، أو الحَجْر عليهما، أو ضربهما،
أو غير ذلك من أنواع الإيذاء التي تتنافى وما أمر به الشارع من الإحسان إليهما، ومصاحبتهما بالمعروف.
هل بر الوالدين يقتصر على الحياة؟
بر الوالدين لا يقتصر على حال حياتهما، فللمرء أن يَبَرَّ بوالِدَيْه بعد موتهما وذلك:
-بالدعاء لهما.
-وفعل القُرَب والطاعات المختَلِفة وإهداء ثوابها إليهما.
-وأداء الواجبات الشرعية من زكاة أو حج أو صوم أو كَفَّارة أو نحو ذلك عنهما إذا لم يتمكَّنا من أدائها حتى ماتا، أو قَصَّرا في أدائها.
في الحديث الذي جاء في سنن أبي داود وابن ماجة وأحمد،بينا نحن عند رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ جاءه رجلٌ من بني سَلمةَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، هل بَقِيَ مِن بِرِّ أَبَويَّ شيءٌ أَبَرُّهما به بعد موتِهما؟ قال: “نعم، الصَّلاةُ عليهما ، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عَهدِهما من بعدِهما، وصِلةُ الرَّحِمِ التي لا تُوصَلُ إلَّا بهما، وإكرامُ صديقِهما”