هو الخليل يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وأهل الكتاب يقولون: يوشع بن عم هود.
وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب، فإن طائفة منهم وهم السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى إلا يوشع بن نون، لأنه مصرح به في التوراة، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقًا لما معهم من ربهم فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
ولقد ذكروا في السفر الثالث: أن الله أمر موسى وهارون أن يعدًا بنى إسرائيل على أسباطهم، وأن يجعلا على كل سبط من الإثنى عشر أميرًا وهو النقيب، وما ذاك إلا ليتأهبوا للقتال، قتال الجبارين عند الخروج من التيه، وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة. ولهذا قال بعضهم: إنما فقأ موسى عليه السلام عين ملك الموت، لأنه لم يعرفه في صورته تلك، ولأنه كان قد أمر بأمر كان يرتجى وقوعه في زمانه، ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمانه، بل في زمان فتاه يوشع بن نون عليه السلام.
والمقصود أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممن يحمل السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعدًا، وأن يجعل على كل سبط نقيبًا منهم.
وليس منهم (بنو لاوى) فقد أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن لا يعدهم معهم، لأنهم موكلون بحمل قبة الشهادة وضربها وخزنها ونصبها وحملها إذا ارتحلوا، وهم سبط موسى وهارون عليهم السلام، وكانوا اثنين وعشرين ألفًا، من ابن شهر فما فوق ذلك، وهم في أنفسهم قبائل من كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها، ويحفظونها ويقومون بمصالحها ونصبها وحملها، وهم كلهم حولها، ينزلون ويرتحلون أمامها ويمنتها وشمالها ووراءها.
فكان (بنو لاوى) الموكلون بحفظ قبة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل وهم القلب، ورأس الميمنة (بنو روبيل)، ورأس الميسرة (بنو دان)، (وبنو نفتالى) يكونون ساقة. وقرر موسى عليه السلام – بأمر الله تعالى له – الكهانة في بني هارون. كما كانت لأبيهم من قبلهم.
والمقصود: أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا: ( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ )المائدة/24. قاله الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس، وقاله قتادة وعكرمة، ورواه السدي عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف: ومات موسى وهارون قبله كلاهما في التيه جميعًا.
فالذي عليه الجمهور أن هارون توفي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين، وبعده موسى في التيه أيضًا كما قدمنا، وأنه سأل ربه أن يقربه إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك.
فكان الذي خرج بهم من التيه، وقصد بهم بيت المقدس، هو يوشع بن نون عليه السلام.
فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ، أنه قطع ببني إسرائيل نهر الأردن وانتهى إلى أريحا، وكانت من أحصن المدائن سورًا، وأعلاها قصورًا وأكثرها أهلاً، فحاصرها ستة أشهر، ثم إنهم أحاطوا بها يوما وضربوا بالقرون -يعني الأبواق- وكبروا تكبيرة رجل واحد، فتفسخ سورها وسقط مرة واحدة، فدخلوها وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم، وقتلوا اثني عشر ألفا من الرجال والنساء وحاربوا ملوكًا كثيرة.
ويقال: إن يوشع ظهر على أحد وثلاثين ملكا من ملوك الشام.
وذكروا أنه انتهت محاصرته إلى يوم الجمعة بعد العصر، فلما غربت الشمس أو كادت تغرب، ويدخل عليهم السبت الذى حرم عليهم العمل فيه قال لها: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي، فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح البلد، وأمر القمر فوقف عند الطلوع، وهذا يقتضى أن هذه الليلة كانت الرابعة عشرة من الشهر الأول، وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الذى سأذكره، وأما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب، ولا ينافي الحديث بل فيه زيادة تستفاد فلا تصدق ولا تكذب، ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر، والأشبه والله أعلم – أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم وفتح أريحا كان وسيلة إليه . والله أعلم.
قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر عن هشام، عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: “إنَّ الشمسَ لم تحبُسْ لبشرٍ إلا ليوشعَ عليه السلامُ لياليَ سار إلى بيتِ المقدسِ
انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخارى.
وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع ابن نون عليه السلام، لا موسى عليه السلام، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا.
وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع عليه السلام.
فيدل على ضعف الحديث الذى رويناه. أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبى طالب صلاة العصر بعدما فاتته بسبب نوم النبي ﷺ على ركبته، فسأل رسول الله ﷺ أن يردها عليه حتى يصلى العصر فرجعت، وقد صححه أحمد بن أبي صالح المصري ولكنه ليس في شئ من الصحاح ولا الحسان، وهو مما تتوافر الدواع على نقله، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. والله أعلم.
والمقصود أنه لما دخل يوشع عليه السلام بهم باب المدينة أمروا أن يدخلوها سجدًا أي ركعًا متواضعين شاكرين لله عز وجل على ما من به عليهم من الفتح العظيم الذى كان الله وعدهم إياه، وأن يقولوا حال دخولهم (حطة) أي حط عنا خطايانا التى سلفت من نكولنا الذي تقدم منا.
وأما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا وفعلاً، فدخلوا الباب يزحفون على أستاهم وهم يقولون: حبة في شعرة، وفي رواية: (حنطة في شعرة).
وحاصله: أنهم بدلوا ما أمروا به واستهزءوا به كما قال تعالى حاكيًا عنهم فى سورة البقرة، (وهى مدنية) مخاطبًا لهم: إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ )البقرة/58-59.
وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (وادخلوا الباب سجدًا) قال: ركعًا من باب صغير. رواه الحاكم وابن جرير، وابن أبي حاتم.
قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: قيل: لبني إسرائيل: ( وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا: (حبة في شعرة). وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه. ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي به موقوفًا.
وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرجز الذي أنزله عليهم، وهو الطاعون.
ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه وبين أظهرهم نبي الله يوشع عليه السلام يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه، وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة، فكانت مدة حياته بعد موسى عليه السلام سبعًا وعشرين سنة.