ذهب كثير من المستشرقين ومن تبعهم إلى أن الحدود في الإسلام قاسية ولا تتناسب مع روح العصر المتحضر، والواقع أن الإسلام لا يقيم الحد إلاّ على المعتدي الذي تهيأت له كل ظروف الحلال ؛ لكنه ارتضى الحرام وضرر الآخرين ، والإسلام لا يقيم حدا من الحدود، إلا إذا توافرت شروطه وثبت بإقرار أو شهادة بينة .

جاء في فتاوى دار الإفتاء بالأزهر :

الإسلام ينمي ضمير الأمة : الإسلام ليس دين عقوبات بقدر ما هو دين توازن بين الأسباب والنتائج ،‏ ولذا فكل عقوبة تقدر بقدرها ،‏ ولا تتم إلا بعد أن تزال الأسباب التي يمكن أن تؤدي إليها .‏

ولهذا يعنى الإسلام بتكوين ما يمكن تسميته الضمير الجماعي أو ضمير الجماعة، الذي يربى على الحساسية المرهفة لأداء الواجب قبل أن يطلب أداؤه ،‏ والإحساس بالمنكر ورفضه قبل أن يستفحل شره وبهذا تكون الحماية الذاتية من المجتمع لنفسه دون تدخل من القانون .‏

العقوبات شرعت لصيانة مقومات الحياة الإنسانية؟

1- لا يقام حد السرقة إلا مع الكفاية:
في موضوع السرقة مثلا نلاحظ أن الإسلام قرر للمسلم -‏ بل وغير المسلم ما دام في مجتمع المسلمين -‏ حدا من توفير المطالب والحاجات يسمى في العرف حد الكفاية ،‏ أي الحد الذي لا يجعله يحتاج إلى ما بأيدي الآخرين .
والفقهاء يضعون شروطا لاعتبار الإنسان سارقا.‏ وبعض الفقهاء يرى أنه لا يقطع السارق إلا إذا كان قد توفر لديه طعام يكفيه (الغذاء) وبيت يؤويه (السكن)وزوجة وخادم ودابة (وسيلة انتقال).
‏
والفقهاء يقررون هذه الشروط انطلاقا من الفلسفة العامة للإسلام، الذي قرر للفقراء حقوقا في أموال الأغنياء ،‏ وحرم الجنة على من يبيت شبعان وجاره جائع.

واشترط توفير الكفالة الاجتماعية لكل مواطن، حتى لا تضطره الحاجة إلى السرقة ،‏ فإذا سرق بعد توفر حد الكفاية، فقد أصبح منحرفا وشاذا يجب حماية المجتمع من شره .‏

2- الإسلام يمنع أسباب الزنى:

كفل الإسلام أسباب الوقاية من الوقوع في الزنا عندما يسر أسباب الزواج، وحث عليه وأمر بتيسير المهور، وأباح للرجل أن يتزوج بما معه من القرآن .‏

كما صان المجتمع من مثيرات الشهوات، من التبرج والخلاعة وكل ما يثير الحس ويشيع الفاحشة .‏

وفوق هذا أباح الزواج بأكثر من واحدة لمن تغلبهم شهواتهم، حتى لا ينحرفوا، فمن زنى بعد ذلك فقد استحق إقامة الحد عليه .‏

3- الإسلام يضع ضوابط لإقامة الحدود:

مما يؤكد أن الإسلام لا يتلمس الأسباب لإقامة الحدود على الناس ،‏ بل إنه على العكس يضع الشروط والضوابط الشديدة التي تكاد تحول دون إقامة هذه الحدود لمجرد وجود شبهة فيسقط الحد .‏

فحد الزنا لا يقام إلا إذا شهد عليه أربعة شهود عدول .‏ فإن كانوا ثلاثة فقط أقيم عليهم هم حد القذف.‏

ولعمر بن الخطاب -‏ رضي الله عنه -‏ موقف يحسن ذكره هنا وذلك حين سأل الإمام عليا – رضي الله عنهما -‏ وكان هو الأمير وقال له :‏ يا أبا الحسن :‏ أرأيت لو أنى رأيت بعيني -‏ أي حالة الزنا – وسمعت بأذني أأقضي به ؟‏ فقال علي -‏ رضي الله عنه – البينة -‏ أي اكتمال عدد الشهود الأربعة -‏ وإلا فالحد في ظهرك أنت أي يقيم على أمير المؤمنين حد القذف .

4- التماس البراءة للجاني:

ليست المسألة تلمسا للحدود وبحثا عنها ،‏ بل الإسلام يلتمس للمخطئ وجوه البراءة، “لَمَّا أتى ماعِزُ بنُ مالِكٍ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال له: لَعَلَّكَ قَبَّلتَ، أو غَمَزتَ، أو نَظَرتَ، قال: لا يا رَسولَ اللهِ”،‏ وكأنما يريد أن يفتح أمامه باب الرجوع عن الاعتراف ،‏ ولهذا يقول ﷺ “‏ ادرءوا الحدود بالشبهات “‏ .‏

ولم يقم حد الزنا في الإسلام في عصر النبوة إلا بالاعتراف في واقعة امرأة تسمى الغامدية مع رجل يسمى ماعزا، فقد جاءت المرأة إلى الرسول تطلب التطهر بإقامة حد الزنا واعترفت – وكانت حاملا فردها الرسول حتى تضع حملها -‏ وحتى تراجع نفسها وربما نفت اعترافها -‏ فلما وضعت جاءت فردها حتى تفطم الرضيع، فلما فطمته جاءت وبيده كسرة طعام، فأمر بها فأقاموا عليها الحد .‏

وعند التنفيذ سبها أحدهم بكلمة فقال صلوات الله عليه ..‏ لا ..‏ لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم .‏

أما القول بوحشية العقوبة في مجملها سرقة أو زنا، فلا بد أن يتصور هؤلاء حال المسروق منه -‏ ولا سيما فيما يعرف بجرائم السرقة بالإكراه -‏ مقدار الفزع والرعب الذي يتعرض له ،‏ ثم مقدار النكبة التي تحل به عندما يفقد ماله .‏

الملاءمة بين العقوبة والفعل الإجرامي؟

الحد لا يقام على السارق المحتاج الذي تدفعه الضرورة -‏ ضرورة الحاجة وضرورة إهمال المجتمع له – إلى السرقة ،‏ فإذا سرق وهو غير محتاج كانت العقوبة في مستوى عنف الجرم دون زيادة .‏
وبالنسبة للزنا نذكر الغاضبين من عنف العقوبة، أن الرجم لا يكون إلا للزاني المحصن أي الذي له زوجة تشبع حاجته، فإن لم تشبعه فمباح له أن يتزوج بأخرى ،‏ أما أن يزني فهو منحرف وشاذ يجب تطهير المجتمع منه .‏

ونذكر هؤلاء أيضا بأن الشروط المشار إليها لتطبيق العقوبة – أربعة شهود عدول يقررون أنهم سمعوا ورأوا -‏ فهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا أقدم هذا الزاني على جريمته في مجتمع عام ،‏ وهو بهذا نموذج خرج من حال الإنسانية إلى حال الحيوانات فتطهير المجتمع منه واجب .‏