ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحسبة واجبة عموما ، وأنها في الأصل فرض على الكفاية ‏,‏ و لكنها قد تكون فرض‏ عين في بعض الحالات ، وقد تكون مستحبة ، أو مباحة في حالات ، وقد تكون مكروهة أو محرمة في حالات أخرى حسب الظروف المحيطة بها، فقالوا:

ما هو حكم الحسبة في الإسلام؟

الحسبة واجبة في الجملة من حيث هي لا بالنظر إلى متعلقها إذ إنها قد تتعلق بواجب يؤمر به ‏,‏ أو مندوب يطلب عمله ‏,‏ أو حرام ينهى عنه ‏,‏ فإذا تعلقت بواجب أو حرام فوجوبها حينئذ على القادر عليها ظاهر ‏,‏ وإذا تعلقت بمندوب أو بمكروه فلا تكون حينئذ واجبة ‏,‏ بل تكون أمرا مستحبا مندوبا إليه تبعا لمتعلقها ‏,‏ إذ الغرض منها الطاعة والامتثال ‏,‏ والامتثال في ذلك ليس واجبا بل أمرا مستحبا ‏,‏ فتكون الوسيلة إليه كذلك أمرا مستحبا ‏.‏ وقد يترتب عليها من المفسدة ما يجعل الإقدام عليها داخلا في المحظور المنهي عنه فتكون حراما ‏.‏ ‏

‏وقد استدل العلماء على وجوب الحسبة في الجملة من حيث هي بالأدلة التي وردت جملة وتفصيلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‏,‏ قال ابن القيم ‏:‏ والمقصود أن الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة ‏.‏

وقاعدته وأصله ‏:‏ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ‏.‏ ‏

‏ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثبت بالكتاب والسنة والإجماع قال الجصاص ‏:‏ وقد ذكر الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه ‏,‏ وبينه رسول الله في أخبار متواترة ‏,‏ وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه ‏.‏ ‏

‏وقال النووي ‏:‏ وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة ‏,‏ وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين ‏.‏ ‏

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحسبة فرض على الكفاية ‏,‏ وقد تكون فرض‏ عين في الحالات الآتية ‏,‏ وفي حق طائفة مخصوصة كما يلي ‏:‏ ‏
‏الحالة الأولى ‏:‏ الأئمة والولاة ومن ينتدبهم أو يستنيبهم ولي الأمر عنه ‏,‏ لأن هؤلاء متمكنون بالولاية ووجوب الطاعة .‏ قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ‏}‏الحج:41، فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى الاستيلاء ‏,‏ وإقامة الحدود والعقوبات مما لا يفعله إلا الولاة والحكام ‏,‏ فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى ‏,‏ لأنه إذا أهمل الولاة والحكام القيام بذلك فجدير ألا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم ‏,‏ فيوشك أن تضيع حرمات الدين ويستباح حمى الشرع والمسلمين ‏.‏ ‏

‏الحالة الثانية ‏:‏ من يكون في موضع لا يعلم بالمعروف والمنكر إلا هو ‏,‏ أو لا يتمكن من إزالته غيره كالزوج والأب ‏,‏ وكذلك كل من علم أنه يقبل منه ويؤتمر بأمره ‏,‏ أو عرف من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال ‏,‏ أو عرف ذلك منه ‏,‏ فإنه يتعين عليه الأمر والنهي ‏.‏ ‏

‏الحالة الثالثة ‏:‏ أن الحسبة قد تجب على غير المنصوب لهاـ المعين من الحاكم ـ بحسب عقد آخر ‏,‏ وعلى المنصوب لها تجب ابتداء ‏,‏ كما إذا رأى المودع سارقا يسرق الوديعة فلم يمنعه وهو يقدر على منعه ‏,‏ وكذلك إذا صال فحل ـ كوحش مثلا ـ على مسلم فإنه يلزمه أن يدفعه عنه وإن أدى إلى قتله ‏,‏ سواء كان القاتل هو أو الذي صال عليه الفحل ‏,‏ أو معينا له من الخلق ولا ضمان ‏,‏ لأن دفعه فرض يلزم جميع المسلمين فناب عنهم فيه ‏.‏ ‏

‏الحالة الرابعة ‏:‏ الإنكار بالقلب فرض عين على كل مكلف ولا يسقط أصلا ‏,‏ إذ هو كراهة المعصية وهو واجب على كل مكلف ‏.‏

وقال الإمام أحمد ‏:‏ إن ترك الإنكار بالقلب كفر لحديث ‏{‏ من رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيدِه فإن لم يستطعْ فبلسانِه . فإن لم يستطعْ فبقلبِه . وذلك أضعفُ الإيمانِ ‏}‏مسلم، الذي يدل على وجوب إنكار المنكر بحسب الإمكان والقدرة عليه ‏,‏ فالإنكار بالقلب لا بد منه فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه ‏.‏ ‏

‏وقد استدل الجمهور على أنها فرض كفاية لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏}‏آل عمران:104 ‏.‏ ‏

‏ووجه الاستدلال أن الخطاب موجه إلى الكل مع إسناد الدعوة إلى البعض بما يحقق ‏معنى فرضيتها على الكفاية ‏,‏ وأنها واجبة على الكل ‏,‏ لكن بحيث إن أقامها البعض سقطت عن الباقين ‏,‏ ولو أخل بها الكل أثموا جميعا ‏.‏ ‏

‏ولأنها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا يتولاها إلا العلماء العالمون بأحكام الشريعة ‏,‏ ومراتب الاحتساب ‏,‏ فإن من لا يعلمها يوشك أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف ‏,‏ ويغلظ في مقام اللين ‏,‏ ويلين في مقام الغلظة ‏,‏ وينكر على من لا يزيده الإنكار إلا التمادي والإصرار ‏.‏

متى تكون الحسبة حراما؟

يكون الاحتساب حراما في حالتين ‏:‏ ‏
‏الأولى ‏:‏ في حق الجاهل بالمعروف والمنكر الذي لا يميز موضوع أحدهما من الآخر فهذا يحرم في حقه ‏,‏ لأنه قد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ‏.‏ ‏

‏الثانية ‏:‏ أن يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أعظم منه مثل أن ينهى عن شرب الخمر فيؤدي نهيه عن ذلك إلى قتل النفس فهذا يحرم في حقه ‏.‏ ‏

متى تكون الحسبة مكروهة أو مندوبة؟

-يكون الاحتساب مكروها إذا أدى إلى الوقوع في المكروه ‏.‏
-ويكون الاحتساب مندوبا في حالتين ‏:‏ ‏
‏الأولى ‏:‏ إذا ترك المندوب أو فعل المكروه فإن الاحتساب فيهما مستحب أو مندوب إليه واستثني من هذه الحالة وجوب الأمر بصلاة العيد وإن كانت سنة ‏,‏ لأنها من الشعار الظاهر فيلزم المحتسب الأمر بها وإن لم تكن واجبة ‏.‏ وحملوا كون الأمر في المستحب مستحبا على غير المحتسب ‏,‏ وقالوا ‏:‏ إن الإمام إذا أمر بنحو صلاة الاستسقاء أو صومه صار واجبا ‏,‏ ولو أمر به بعض الآحاد لم يصر واجبا ‏.‏ ‏

‏الثانية ‏:‏ إذا سقط وجوب الاحتساب ‏,‏ كما إذا خاف على نفسه ويئس من السلامة وأدى الإنكار إلى تلفها ‏.‏ ‏

ويكون حكم الاحتساب التوقف إذا تساوت المصلحة والمفسدة ‏,‏ لأن تحقيق المصلحة ودرء المفسدة أمر مطلوب في الأمر والنهي ‏,‏ فإذا اجتمعت المصالح والمفاسد ‏,‏ فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعل ذلك امتثالا لأمر الله تعالى لقوله ‏:‏ ‏{‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ‏}التغابن:16،‏ وإن ‏‏ تعذر الدرء درئت المفسدة ولو فاتت المصلحة قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ‏}‏ حرم الخمر والميسر لأن مفسدتهما أكبر من نفعهما ‏.‏
وإذا اجتمعت المفاسد المحضة ‏,‏ فإن أمكن درؤها درئت ‏,‏ وإن تعذر درء الجميع درئ الأفسد فالأفسد ‏,‏ والأرذل فالأرذل ‏,‏ وإن تساوت فقد يتوقف ‏,‏ وقد يتخير ‏,‏ وقد يختلف التساوي والتفاوت ‏.‏ ‏

ويقول ابن تيمية ‏:‏ وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد ‏,‏ والحسنات والسيئات ‏,‏ أو تزاحمت ‏,‏ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد ‏,‏ فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة ‏,‏ فينظر في المعارض له ‏,‏ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به ‏,‏ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ‏,‏ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر لإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ‏,‏ وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر ‏,‏ وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما ‏,‏ بل إما أن يفعلوهما جميعا ‏,‏ أو يتركوهما جميعا لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر ‏,‏ بل ينظر ‏,‏ فإن كان المعروف أكثر أمر به ‏,‏ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه ‏,‏ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات ‏,‏ وإن كان المنكر أغلب نهي عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف ‏,‏ ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله ‏.‏ وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما ‏.‏ فتارة يصلح الأمر ‏,‏ وتارة يصلح النهي ‏,‏ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي ‏.‏
وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق ‏,‏ فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية ‏,‏ وإذا تركها كان عاصيا ‏,‏ فترك الأمر الواجب معصية ‏,‏ وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية وهذا باب واسع ‏.‏ ‏
(من الموسوعة الفقهية الكويتية)