إن من دلائل توفيق الله تبارك وتعالى لعبده، أن يستقيم على دينه، وعلى طاعته، في السراء والضراء، والشدة والرخاء، وفي زمن الفتن وغيرها، وليس ذلك إلا للمؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث الإمام مسلم “عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له”، هذا الحال هو حال المؤمنين مع ربهم سبحانه وتعالى، أنهم يشكرون عند الرخاء، ويصبرون عند الشدة والبلاء، لأنهم آمنوا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا.

ما هي أسباب النجاة من الفتن؟

ما يمر على المسلم في هذه الأيام، من أحوال هي اختبارات وابتلاءات من الله سبحانه وتعالى لعباده، فما موقفه من الفتن، ومن الزلازل، ومن المحن، وفي الشدة والبلاء.
أولا – الالتجاء إلى الله والاستعاذة به، فإن الله عز وجل هو المعيذ لنا من كل شر، كما أنزل الله عز وجل على نبيه سورتين عظيمتين: ( الفلق والناس ).

النبي ، كان يستعيذ بالله من كذا، ومن كذا، ومن كذا، فلما نزلت عليه المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما، ففيهما الاستعاذة من شر كل ذي شر، ومن كل ذي بلاء وفتنة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ( قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ* مِن شَرِّ مَا خَلَقَ )سورة الفلق، قال أهل العلم يعني من شر ما خلق الله فيه الشر، كل ما خلق الله عز وجل فيه شرا، فهذه الآية تكفيه، وأنت عندما تقول أعوذ بالله يعني ألتجئ إلى الله، وأستجير الله، وأستغيث بالله سبحانه وتعالى من شر هذا الذي فيه شر.

ثبت عن النبي أنه قال لأصحابه: “تعوَّذوا باللهِ من الفِتَنِ ما ظهر منها وما بطنَ”رواه مسلم، تعوذوا بالله من الفتن، الفتن التي يمتحن بها الإنسان ويختبر فيها المرء، ويظهر فيها معدنه عند الاختبار والابتلاء، كما أن الصائغ إذا أراد أن يختبر الذهب، يعرضه على النار، فيتبين له هل هذا معدن ذهب؟ أم أنه حديد أو غير ذلك، فالفتن أعاذنا الله وإياكم منها، يستعاذ منها، ما ظهر لنا منها وما بطن.

,الفتنة ليس بشرط أن تكون مكروهة، وأن تكون شديدة على الإنسان، بل قد يبتلى الإنسان بأحب الأشياء إليه، يبتلى بالمال، يبتلى بالزوجة، يبتلى بالولد، فينظر الله عز وجل هل يصبر هذا العبد على أمر الله عز وجل أم لا يصبر.

ثانيا – التمسك بالعبادة عند الفتن، يزداد الإنسان طاعة وتقربا إلى الله عز وجل، وفي ذلك أجر عظيم.

يقول في حديث الإمام مسلم: “العِبادةُ في الهرَجِ كالهِجرةِ إليَّ” الله أكبر هجرة إلى رسول الله ، ما هذا الفضل العظيم، لمن يتمسك بالعبادة، بالصلاة، بالدعاء، بالصيام، بالقيام، بقراءة القرآن، بصلة الأرحام، بالصدقات، بإخراج ما أوجب الله عليه، تمسك بالعبادة في زمن الفتنة، كأنه مهاجر إلى رسول الله .

-ولا سيما الدعاء، فإنه من أكرم العبادات على الله، ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء، فلا يفتر لسانك من الدعاء، فإنه سبب عظيم للنجاة من الفتن، يقول الله عز وجل عن عبده ونبيه يونس عليه الصلاة والسلام: ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا ) مغاضبا لقومه ما آمنوا به، كفروا به، غضب عليهم وخرج، إذ ذهب مغاضبا، ( فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ )، يعني لن نضيق عليه، ولن نبتليه،( فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ).

-تخيل نبي من أنبياء الله، يقول لربه أنا كنت من الظالمين، ما موقفنا نحن، ما حالنا مع الله، ما أكثر ذنوبنا، ما أكثر خطايانا، وما أقل استغفارنا، وما أقل توبتنا إلى الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: ( وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ) ظلمات ظلمة البحر قاع البحر، وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت، فنجاه الله، ثم قال عز وجل بوعد عظيم: ( وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ )، إذا لزموا هذا الدعاء، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

ثالثا – الإيمان بالله وبأقدار الله، وأن هذا شيء كتبه الله، قال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ )سورة التغابن11، الإيمان بالله عز وجل، وبالقضاء والقدر، لا تقل لو أني فعلت، لو أني لم أفعل، بل آمن بالله عز وجل وبتوحيده وبقضائه وقدره، فهذا من أعظم أسباب النجاة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

رابعا – حفظ اللسان وحفظ الجوارح عامة عما حرم الله، حفظ اللسان عن القيل والقال، وعن الإشاعات المغرضة، والأقاويل الكاذبة، وعن التحليلات الفاسدة، كثير تخرج في زمن الفتنة تحليلات وآراء، كثير منها لا يبنى على قاعدة صحيحة، ولا معلومات سليمة، فالإنسان لا يسلم لكل ما يسمع، ولا ينقل كلما يقال.

-عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول قلتُ يا رسولَ اللهِما النَّجاةُ قال “أمسِكْ عليكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتِكَ” اسمع الوصية ما النجاة كيف أنجو؟ قال له “أمسِكْ عليكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتِكَ” أمسك عليك لسانك لا تكثر من القيل والقال، والخوض فيما لا تعلم، في زمن الفتنة خاصة، وليسعك بيتك لا تخرج من غير حاجة، لا تخرج من غير ضرورة، وابك على خطيئتك، كي يرفع الله كي يرفع الله عز وجل عنك المصاب والبلاء.

ماذا يفعل المسلم في زمن الفتن؟

يوصينا الله عز وجل في الفتن والأزمات:
-بالاعتصام بكتابه وسنة رسوله.
-وترك الخلاف والاختلاف، والفرقة والتنابز بالألقاب، وغير ذلك.
قال عز وجل: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا )آل عمران103.

وقال : في الحديث المشهور الذي رواه مالك وغيره يقول “تركتُ فيكم أيُّها الناس، ما إنِ اعتصمتم به، فلن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه”أخرجه الحاكم، كتاب الله عز وجل وحديثه من تمسك بهما نجى.

-ولعل في الشدة، ولعل في الفتنة، ولعل في الأزمة، حكمة ومصلحة عظيمة أن يراجع الإنسان نفسه، أن ينظر في عمله وقوله، أن يراجع تصرفاته، أن يعرض نفسه على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله ، فإن الله عز وجل أمره، سواء كان شدة أو رخاء، لا يخلو من الحكمة والمصلحة والعدل والرحمة جل جلاله وتقدست أسماؤه.