حكم الزواج في شهر الله المحرم كحكم الزواج في غيره ، لكن ظهرت نزعات طائفية جعلت من يوم عاشوراء وشهر المحرم أيام شؤم وقد أخَذت مجالاً واسعًا عند الناس بدافع الهوى والدجَل، وواجب المؤمنين أن يتنبهوا إلى عبث الدجالين بإشاعة فكرة التشاؤم بينهم، وعلى المسلم أن يُطهِّر قلبه من هذه الأوهام، وأن يَقدم على أعماله وتصرُّفاته، وقضاء مصالحه في أوقاتها التي تتطلبها، مُعتمدا في ذلك على إيمانه النَّقِيِّ وعلى توفيق الله له، غير عابئ بوهمٍ أو خُرافة، فتَسلم حياته وتستقر شُئونه . يقول الشيخ محمود شلتوت : الواقع أن الإسلام لا يعرف لشهر المُحرم سوى أنه أحد الشهور الأربعة المُحرمة من قديم الرسالات، والمعروفة فيها باسم: “الأشهر الحُرم” (إنَّ عِدَّةَ الشهور عند الله اثنا عشرَ شهرًا في كتابِ اللهِ يومَ خَلَقَ السمواتِ والأرضَ منها أربعةٌ حُرُمٌ ذلك الدِّينُ القَيِّمُ فلا تَظلموا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ). ومُقتضى هذا أن شهر المحرم شهر لا يَضيق صدره ـ على الأقل ـ بفِعل الخير إن لم يتَّسع له، ويعظم التفاؤل به، وأنه إنما يأبَى المعاصي والمَظالم أن تقع فيه، وأنها فيه أشدُّ نُكْرًا عند الله منها في غيره. وليس من شكٍّ في أن الزواج مِن أبرز أعمال الخير، به تُعصم النفوس، وبه تنشأ الأُسَر، وبه يستمر التناسُل، وبه السَّكَن والمَودة والرحمة. وإذن فالإسلام بريءٌ من هذه الفِرْية مما يُمكن أن يكون مُنشأً لها فيه! جهلٌ وعصبية: ولم يَبْقَ بعد هذا سوى أن هذه “الفِرْية” مَحْضُ ابتداعٍ جرَّه: إما جهل واندفاع به في تيَّار فكرة “التشاؤم” العامة التي يُنكرها الإسلام أشد الإنكار، والتي ـ على الرغم من ذلك الإنكار الواضح ـ تسلَّطتْ بالوهْم الفاسد على بعض العُقول فيما يختصُّ بالزمان والمكان والكلماتِ المَسموعة والأشياء المَرْئية، كما هو مَعروف عند الناس جميعًا، وإما عصبية خاصة بسبب حادثٍ وقع في شهر المُحرم، وفي العاشر منه (هو مَقْتَلُ الحسين ـ رضي الله عنه). واشتدَّ له أسف المسلمينَ جميعًا، ولكن هذا أسراف وعصبية ! وتُحرم فيه كل مظاهر الفرح والزينة. وفي هذا الجو الملَّبد بغُيوم الفِتَنِ التي أُلْبست ثوب الدين نبتْت هذه الفكرة واتَّسع نطاقُها وتسرَّبت إلى جميع الأرجاء الإسلامية، وقد كانت مصر من هذه الأرجاء، وكان مِن آثارها فيها “توارُث تحريم عقد الزواج في شهر المُحرم” ولا تزال فكرة “الحزن المُحرمي” متأصلةً إلى اليوم عند البعض، بصفةٍ عامة شاملة، كما لا تزال شعائر الحزن تُقام كل عام عند البعض على قدمٍ وساق، وواضح جدًّا في أن عقد الزواج مِن أعظم ما يتخذ له الناس مظاهر الفرح والسرور، وإذن فلْيُحرم عقد الزواج كما يُحرم كل مظهر من مظاهر الزينة والمتعة. العصبية تعمل في الجانب الآخر: ومن عجيب العصبية ـ التي تأخذ بالناس عن الحقائق الواضحة ـ أنها نَشرت أجنحتَها في الجانب الآخر ـ أيضًا ـ وابتدعت في يوم عاشوراء “يوم الحزن عند البعض” مشروعيةَ الفرح والسرور والتجمُّل والتزيُّن وأدخلت كل ذلك على الناس “بمَرويات” عن الرسول ـ عليه السلام ـ وآثارٍ عن أصحابه، كما صنعت “العصبية” عكس ذلك في الطرف الآخر، فكرةً بفكرةٍ، وحديثًا بحديث، وابتداعًا بابتداع، فيا للهِ لِلمسلمينَ! وبالمنازع العصبية المُتعاكسة صار الناظر إلى المسلمين، وفي كُتبهم الدينية، يرى ويقرأ أن الإسلام يطلب من المسلمين مظاهر الفرح والحزن في يوم واحدٍ لشهر واحد، وأن مَظاهر الفرح تُرْوَى فيها أحاديثُ وآثارٌ، ومظاهر الحزن تُروى فيها كذلك أعمال وآثار! وهكذا فعل المسلمون بالإسلام! وهكذا تَفرَّقوا في دينهم وكانوا شِيَعًا، والله ـ تعالى ـ يقول في كتابه: (إنَّ الذينَ فرَّقُوا دِينَهمْ وكانُوا شِيَعًا لسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ). إن أشد ما يُبْغِضُه الإسلام ويُحرمه على أهله تجديد الأحزان وإثارة بواعث الفِتَنِ والتفرُّق، وكذلك مِن أشد ما يبغضه الافْتِيَات على الله والقول بشرع ما لم يأذن به، والحقُّ أن الفريقينِ قد انحرفَا عن الصراط المستقيم، وخاضَا فيما يُحرم الإسلام الخوض فيه. التشاؤم: هذا هو أصل فكرة “تحريم عقد الزواج” كما نرى، وقد أُلْبستْ هذه الفكرة عند مَن لم يَعرفوا هذا الأصل ثوب “التشاؤم”، والتشاؤم هو الآخر قد أخَذ مجالاً واسعًا عند الناس بدافع الهوى والدجَل، ولم يعدم هو الآخر مَن يُؤَيِّدُه ويُبرِّره “بمَرويَّاتٍ” تُنسب إلى الرسول ظلمًا وبُهتانًا، بل لم يعدم مَن يُؤيده بالقرآن نفسه. وبعدُ: فإن واجب المؤمنين أن يتنبهوا إلى عبث الدجالين بإشاعة فكرة التشاؤم بينهم، هذه الفكرة التي يصير بها الإنسان أسيرًا لوهم في كلمة يسمعها، أو يوم يمرُّ عليه، أو منظر يراه، وأن يُطهِّروا قلوبهم من هذه الأوهام، وأن يَقدُموا على أعمالهم وتصرُّفاتهم، وقضاء مصالحهم في أوقاتها التي تتطلبها، مُعتمدين في ذلك على إيمانهم النَّقِيِّ وعلى توفيق الله لهم، غير عابئينَ بوهمٍ أو خُرافة، فتَسلم حياتهم وتستقر شُئونهم .