شرح باب مقلب القلوب من كتاب التوحيد في صحيح البخاري
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: “باب مقلب القلوب”، وقول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾الأنعام/110.
-تقليب القلوب فعل من أفعال الله تبارك وتعالى الاختيارية، وهذا فيه إثبات الفعل لله سبحانه وتعالى، وأنه من صفاته عز وجل تقليب القلوب.
-وتقليب القلوب يعني تحولها من الكفر إلى الإيمان، أو العكس والعياذ بالله، أن يتحول القلب من الإيمان إلى الكفر، نعوذ بالله عز وجل من زوال نعمته وتحول عافيته وفجاءة نقمته وجميع سخطه.يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
-تقليب القلوب أمر يرجع إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى، ومشيئة الله سبحانه وتعالى موصوفة بالحكمة البالغة، وأن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، وهو عز وجل متصف بالعدل، ومتصف بالرحمة، ومتصف بالحكمة في أفعاله الاختيارية كلها.
تفسير الآية ومعنى تقليب أفئدة الكفار وأبصارهم؟
-أما قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾، فهذا فيه حكاية عن فعل الله سبحانه وتعالى بالمشركين وبالكافرين، أن الله سبحانه وتعالى يقلب أفئدتهم، يقلب قلوبهم ويصرفها كيف يشاء، ويقلب أيضا أبصارهم حتى إنهم يعمون عن الحق، حتى إنهم لا يبصرون الهدى، ويضلون في العماية وفي الضلالة.
-وهذه الآية من سورة الأنعام قبلها قول الله عز وجل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾الأنعام/109-110.
الله سبحانه وتعالى يحكي عن الكفار أنهم قالوا -مقسمين بالله- ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ يعني أنهم بالغوا في القسم، بالغوا في الحلف بالله، جهد اليمين يعني غايته، غاية الأيمان، أقسموا بالله عز وجل أيمانا مغلظة.
–هؤلاء المشركون في الجاهلية قالوا: إن اليهود والنصارى أتتهم رسل ونحن ما جاءنا من رسول، العرب قالوا ما جاءنا من رسول، فأقسموا بالله أنهم إذا جاءهم رسول، وجاءتهم الآيات على أنه رسول صادق، أنهم ليؤمنن به، عاهدوا ربهم سبحانه وتعالى على ذلك وهم مقسمون، يقسمون بالله أنهم إذا جاءهم رسول وجاءتهم الآيات على أنه رسول صادق أنهم سيؤمنون به.
–الله سبحانه وتعالى يقول: وما يشعركم، ما يدريكم أنها إذا جاءت أنهم لا يؤمنون؟ وهذا واقع، الله سبحانه وتعالى علم من حالهم العناد والكفر والإصرار على الشرك، والإصرار على العادات الجاهلية القبيحة، ومن أقبحها نسبة الند لله سبحانه وتعالى، دعاء الأصنام من دون الله، الاستغاثة بها، طلب الرزق منها، الالتجاء إليها عند النوازل من دون الله سبحانه وتعالى.هذا أقبح ما كان يفعله أهل الجاهلية.
-بعض الناس إذا ذكر الجاهلية يذكر الزنا والخمر وقتل الولد والوأد، وأقبح من هذا كله الكفر بالله، وادعاء الأنداد والأصنام آلهة مع الله، نسبتها إلى الألوهية الباطلة، والتعبد لها بأنواع العبادات وأعظم ذلك الدعاء، أنهم ينادونها من دون الله، ويحلفون باسمها، ويذبحون لها، وينذرون لها، ويتقربون إليها بأنواع القربات. هذا أقبح عادات الجاهلية.
فهم أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم إذا جاءتهم آية، جاءهم رسول معه آية، معه دليل، معه برهان أنه رسول من عند الله عز وجل ليؤمنن بها، وليكونُن أهدى من الأمم، من اليهود ومن النصارى، يكونوا أحسن من الأمم، لكن أهل مكة غلب عليهم -إلا من كتب الله تعالى له السعادة والهداية- غلبت عليهم شقوتهم، فكفر من كفر منهم، وأصر وعاند وبقي على دينه.
حادثة انشقاق القمر وعناد المشركين؟
الرسول ﷺ جاءهم بآيات عظيمة، يسألونه انشقاق القمر، قال أهل مكة للرسول ﷺ: لن نؤمن لك حتى تفلق لنا هذا القمر فلقتين، حتى ينشق القمر شقين، إذا فعلت ذلك آمنا بالله. قال: «آالله؟» حلفهم بالله إذا فعلت ذلك تؤمنون؟ قالوا: نعم.
فقال الرسول ﷺ في ليلة من الليالي بعد أن أذن الله بذلك: انظروا إلى القمر، فإذا هو قد انقلق فلقتين بينهما جبل حراء.
قال الله سبحانه وتعالى في ذلك: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾القمر/1-4.
جاءتهم الآيات وجاءتهم النذر، ما فيه زجر لهم عما هم فيه من الشرك والكفر والباطل والعادات الجاهلية، ولكنهم أبوا وأصروا وعاندوا، هذا بعد أن حلفوا بالله عز وجل أنهم إذا جاءتهم آية ليؤمنن بها.
بقي كل منهم على دينه ودين آبائه وأجداده. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ما يدريكم أنها إذا جاءت هذه الآيات لا يؤمنون؟
عقوبة الإصرار على المعاصي وتقليب القلوب؟
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال ابن عباس: “نقلب أفئدتهم وأبصارهم: نحول بينهم وبين الإيمان.
-لماذا يحول الله عز وجل بينهم وبين الإيمان؟
-يمنعهم من الإيمان، يمنعهم من رؤية الحق، يمنعهم من الهداية، لماذا؟ عقوبة لهم، سبحان الله! نسأل الله العفو والعافية.
إن الله عز وجل عاقبهم قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا﴾، أي بسبب، ما هو السبب؟ ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي جاءهم الحق، الرسول ﷺ جاءهم بالحق، وقرأ عليهم القرآن، وجاءتهم الآيات الباهرة العظيمة، أعظم من أن ينشق القمر إلى فلقتين بينهما جبل يرونه بأعينهم، تقوم عليهم الحجة بذلك، ومع ذلك أعرضوا عن الإيمان، أعرضوا عن طاعة الرحمن وطاعة رسوله ﷺ، وأصروا وكابروا وعاندوا.
فلذلك الله سبحانه وتعالى عاقبهم بأن ختم على قلوبهم، أضلهم، منعهم من الإيمان؛ لأنه قد جاءهم من الأنباء، جاءهم من الآيات، جاءهم من النذر ما فيه مزدجر، ما فيه كفاية زاجرة لهم عما هم فيه من الباطل، ومع ذلك أصروا على البقاء على الكفر، وترك الإيمان بالله، والإعراض عن الله ورسوله ﷺ.
ولذلك منع الله قلوبهم من الإيمان والهداية، وطمس على أبصارهم فلا يروا الحق حتى يموتوا، عقوبة لهم.
أثر الذنوب والإصرار عليها حتى الممات؟
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ هذا أثر من آثار الذنوب والمعاصي ، هذا الذنب الذي استوجب لهم هذه العقوبة.
لا يقول إنسان:
-كيف يمنعهم الله سبحانه وتعالى من الهداية؟
-لماذا يمنعهم الله عز وجل من الهداية؟
لأن الله سبحانه وتعالى جعل هذا عقوبة لهم.
جاءتهم الآيات، وجاءتهم النذر العظيمة التي في الأقل منها ما فيه كفاية وفيه حجة ظاهرة، لكن مع ذلك آية تلو آية تلو آية تأتيهم وهم عنها معرضون!
وهم مصرون ومكابرون على الكفر، عند ذلك يُختم على قلوبهم، يُطبع على قلوبهم، يُطمس على بصائرهم، فلا يعود الرجل منهم يرى الحق حقا ولا يرى الباطل باطلا، بل يكون في عمى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. يعمهون: أي يتمادون، يتمادى الواحد منهم في الضلال، يتمادى في الغواية، يتمادى في الكفر والعياذ بالله، يصر ويبالغ في هذا ويتردد فيه، يظل مترددا في الكفر.
وهذا ما يفسر لنا أننا نرى بعض الناس من أهل المعصية وأهل الفجور -سبحان الله- قد بلغ من السن عتيا، ومع ذلك لا يزال مصرا على طريقه!
-لماذا لا يتوب هذا الإنسان؟
-ماذا يرجو بعد هذا العمر الطويل في معصية الله وفي حرب الله ورسوله؟
-ماذا يرجو الإنسان بعد أن شاخ وابيض الرأس، وعلاه الشيب والكبر، وسقط حاجباه، وانحنى ظهره، ولا يزال مصرا على الكفر وعداوة الله ورسوله، حتى يخرج من الدنيا عقوبة له من الله سبحانه وتعالى.
كما أنه جاءته الآيات تلو الآيات، والنذر تلو النذر، ثم هو يعرض عنها ويكفر بها ويصد عنها ويستهزئ بها ويكذب بها، فإن الله سبحانه وتعالى يعاقبه بعد ذلك أن ينكس قلبه، وأن يطمس على بصيرته، فلا يعود يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه.
حديث لا ومقلب القلوب والتحذير من سوء الخاتمة؟
روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله، أو كان أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: “لا ومُقلِّبِ القلوبِ”البخاري. كانت أكثر يمين النبي ﷺ، أكثر ما يحلف به النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: “لا ومُقلِّبِ القلوبِ”.
يذكر هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، صفة تقليب القلوب، أن الله سبحانه وتعالى يقلب القلوب.
تقليب القلوب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان.
-من تقليب القلوب: تقليب القلب من الشقاء إلى السعادة، ومن السعادة إلى الشقاء، من الفرح والانشراح إلى الضيق والكآبة، إلى الضيق والاضطراب، ومن الضيق والاضطراب والشقاء إلى الفرح والسرور والسعادة، هذا بيد الله سبحانه وتعالى.
ولهذا جاء في الحديث: “مثلُ القلبِ مثلُ الرِّيشةِ تقلِّبُها الرِّياحُ بفلاةٍ”ابن ماجه وأحمد، فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يذكر بهذا الأمر فيقول: “لا ومُقلِّبِ القلوبِ.
من هو مقلب القلوب؟ هو الله سبحانه وتعالى. فالرسول يحلف بالله عز وجل ذاكرا هذه الصفة، وكان هذا من أكثر ما يحلف به عليه الصلاة والسلام تذكيرا للأمة، تذكيرا للصحابة الكرام رضي الله عنهم بهذه الصفة العظيمة، هذه الصفة الخطيرة.
فالإنسان يحذر من الإصرار على المعاصي. الإنسان إذا أصر على المعصية يأتيه النذير، يأتيه التذكير، وهو مصر على دربه، مصر على معصيته، فهذا يُخشى عليه أن يُحال بينه وبين التوبة، يريد أن يتوب لا يستطيع، يريد أن يرجع إلى الله، يريد أن يتوب، يمنعه الله سبحانه وتعالى من التوبة عقوبة له.
هذا فعل جاري وفق العدل الإلهي؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾يونس/44، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾العنكبوت/40.
فكل أفعال الله، كل أفعال الله وفق الحكمة ووفق العدل ووفق الرحمة ووفق المصلحة.
فاحذر من الإصرار على المعصية فلربما مُنعت من التوبة.
هذا كما قلنا يفسر لنا إصرار بعض الناس على المعاصي حتى الممات؛ لأنه جاءته فرص للتوبة، كانت تأتيه فرصة أن يتوب ويقول: لا، أو بعضهم يعلل نفسه.
1-التسويف في التوبة ومخاطره:
يقول: إن شاء الله إذا بلغت… سن الأربعين إن شاء الله، إذا حججت أتوب إن شاء الله، إذا تزوجت أتوب إن شاء الله، إذا جاءني مال أتوب، وهكذا.
يعلل نفسه بهذه العلل ولا يتوب إلى الله سبحانه وتعالى مع إمكانية ذلك.
2-دعاء النبي ﷺ بالثبات:
الرسول ﷺ كان يدعو الله عز وجل بهذا الدعاء، وكانت ﷺ أكثر يمينه: «لا ومقلب القلوب».
أيضاً جاء في الحديث عن أنس أن النبي ﷺ كان كثيراً ما يدعو فيقول: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، كان كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
3-خوف الصحابة وحقيقة تقلب القلوب:
-عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يكثِرُ أن يقولَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ فقلتُ يا نبيَ اللهِ آمنَّا بكَ وبما جئتَ بهِ فهل تخافُ علينا قالَ نعم إنَّ القلوبَ بينَ أصبعينِ من أصابعِ اللهِ يقلِّبُها كيفَ يشاءُ”الترمذي وأحمد.
قلوب بني آدم كلها، كل القلوب التي على وجه الأرض بين إصبعين من أصابع الله عز وجل، وهذا فيه إثبات صفة الأصابع لله عز وجل كما أعلمنا بذلك رسول الله ﷺ، وهو أعلم الخلق بربه، هو أعلم الخلق بالله سبحانه وتعالى وبصفاته، ولهذا كان يدعو بهذا الدعاء، كان يدعو: “يا مقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دينِك”.
-كم شاهدنا وكم سمعنا عن أناس كانوا على الاستقامة وعلى التدين ثم انقلب حالهم، نسأل الله العفو والعافية، انقلب حالهم رأساً على عقب، فتركوا حياة الاستقامة، وبدلوا الحسنات إلى سيئات، وتركوا الصراط المستقيم وسلكوا سبل الجحيم والعياذ بالله من هذه الحال.
–الثبات عصمة من الفتن والمساومات:
كان الرسول ﷺ يخاف وهو من هو عليه الصلاة والسلام، ومحتاج إلى تثبيت الله عز وجل كما يقول الله تعالى له في القرآن، يقول الله له سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾الإسراء/74.
الله عز وجل يقول لنبيه: لولا نحن ثبتناك لقد كدت توافق المشركين في بعض طلباتهم؛ لأن المشركين طلبوا النبي عليه الصلاة والسلام، يعني كان المشركون يساومون النبي ﷺ على دينه، يساومونه على أصول دينه: اترك كذا ونحن نوافقك، لا تحرم كذا ونحن معك، لا تدع الناس إلى كذا ونحن نكون من أنصارك ومن أوليائك.
هذه المراودة موجودة إلى يومنا هذا مع المسلمين، ومع دعاة المسلمين، ومع أكابر المسلمين، ومع علماء المسلمين، فمن وافق أعداء الله عز وجل وترك بعض ما يؤمر به في كتاب الله وفي سنة رسوله ربما اتخذوه حبيباً وولياً وصديقاً وقربوه وأعطوه وأجزلوا له المثوبة، ومن خالفهم وأصر وتمسك بدينه نبذوه، هذا مشاهد ومعلوم.
الله تعالى يقول لنبيه: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾الإسراء/74-75، لأذقناك ضعف العذاب في الحياة وبعد الممات؛ لأن الذي يعلم ويعرف ليس كالجاهل، فلذلك ذنب العالم إذا ارتكب الخطأ هو مضاعف عن غيره من الناس، لا سيما إذا كان الناس ينظرون إليه ويقتدون بأقواله وأفعاله، فهو في هذه الحالة يكون ضلاله أعظم، وذنبه أكبر، وإثمه أعظم؛ لأنه يقتدى به وتنظر الناس إلى فعله وإلى قوله.
فكان أكثر دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
أثر الفتن على القلوب وأنواعها؟
نرى بعض الناس اليوم من المصلين والصائمين ومع ذلك يحاربون الإسلام، يوجد نماذج من هذا الصنف، إنسان يصلي ويصوم ويكره أشياء من الإسلام، يحارب أولياء الله، يحارب شيئاً من الشريعة، ينافح عن أعداء الله عز وجل، هذا والعياذ بالله لا شك أنه على خطر عظيم، يمكن أن يقلب قلبه، يمكن أن يسلب منه الإيمان، يمكن أن يضله الله عز وجل، كما جاء في الحديث في صحيح مسلم يقول ﷺ: “تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا ، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا ، لا يَعرِفُ مَعروفًا ، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا ، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه”مسلم وأحمد.
القلب الأول الذي ينكر المنكرات وينكر المعاصي، كلما جاءته معصية وجاءته فتنة أنكرها وتبرأ منها وتمسك بالهدي الصحيح، فإن قلبه يزداد بياضاً حتى يكون كالصفا، كحجر الصفا الأبيض، هذا الحجر لا تضره الفتن ولا تضره مياه الأمطار لو نزلت عليه ما تضره.
القلب الثاني «وأسود مرباداً» -الذي يشرب الفتنة ويقبل الفتن ويرضى بالمنكر ولا ينكره، كلما قبل فتنة نكت فيه نكتة سوداء حتى يصير قلبه أسود مرباداً، يعني شديد السواد- «كالكوز مجخياً» -كالكأس مقلوباً- «لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه»، هذا وصف النبي عليه الصلاة والسلام للقلب المنكوس عافانا الله وإياكم.
خطورة انتكاس القلوب والتحذير منه؟
يقول النبي ﷺ: القلب المنكوس صفته كالكأس المقلوب، إذا جئت بالكوب أو الكأس وقلبته على وجهه، مهما صببت عليه من السائل من الماء ما يقبل شيئاً.
قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾الأنعام/110.
لو ظللت تصب عليه الوحي والقرآن والذكر والتعليم ليلاً ونهاراً، هذا الكأس مقلوب، قطرة واحدة لا تدخله! هذا قلب الفاجر وقلب الكافر الذي أعمى الله سبحانه وتعالى ومنعه وحال بينه وبين الإيمان، حال بينه وبين الهداية إلى الإسلام، عافانا الله وإياكم من ذلك.