يقول الشيخ الدكتور/ محمد الحمود النجدي:
سورة التين مكية بدأها الله عز وجل بالقسم، وذكر فيها مبتدأ خلق الإنسان ونهايته، وهي ثمان آيات من كتاب الله تبارك وتعالى.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: “سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقرَأُ في العِشاءِ: بـ(التِّينِ وَالزَّيْتُونِ)، فما سَمِعتُ أحَدًا أحسنَ صَوتًا منه إذا قَرَأَ ﷺ”البخاري ومسلم.
يقول الله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّـهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)التين/1-8.
–أقسم الله عز وجل في مطلع السورة بأربعة أشياء، وربنا سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بأمر له فضل وله شرف وله أهمية.
1- أقسم بـ(التين والزيتون) وهما الثمار المعروفة، قال العلماء: لما فيهما من المنافع، خصوصا الزيتون الذي يخرج منه الزيت، وكان النبي ﷺ يقول: “كُلوا الزيتَ وادَّهِنُوا بِه؛ فإنَّه من شجرةٍ مُباركةٍ”الترمذي والطبراني.
2-و(طور سينين) يعني طور سيناء، وهو جبل الطور الذي كلم الله تبارك وتعالى عنده موسى عليه الصلاة والسلام.
3-و(البلد الأمين) مكة حرسها الله، التي جعلها الله عز وجل بلدا آمنا، ومن دخله كان آمنا، بلد آمن حرمه الله عز وجل يوم خلق السماوات والأرض ولم يحرمه الناس، كما قال النبي ﷺ: “هذا البلَدُ حرَّمَهُ اللَّهُ يومَ خلقَ السَّماواتِ والأرضَ ، فَهوَ حرامٌ بحُرمةِ اللَّهِ إلى يومِ القيامةِ…”البخاري ومسلم.
ما الحكمة أن الله عز وجل أقسم بهذه الأمور الأربعة؟
قال أهل التفسير: أما (التين والزيتون) فيكثران في بلاد الشام، ولا سيما في بيت المقدس؛ هذا البلد كثرت فيه النبوات، كثر فيه الأنبياء، وفيه أرسل عيسى عليه الصلاة والسلام ونزل عليه الإنجيل.
و(طور سينين) موضع الوحي إلى موسى عليه الصلاة والسلام.
وأما (البلد الأمين) فهي البلد التي نزل فيه جبريل على محمد ﷺ.
فجمع الله عز وجل مواضع الوحي الثلاثة في هذا القسم الذي بدأه في هذه السورة.
وجواب القسم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، يعني: والله لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، أحسن خلقة، تمام هيئة وصورة، تناسب أعضاء، استقامة قامة. غيره من المخلوقات تدب على أربع، وهو مستقيم يمشي على رجليه.
خلق الله عز وجل الإنسان وجعله سميعا، بصيرا، عليما، مفكرا، عارفا… نعم عظيمة في الإنسان.
ولنا هنا وقفتان:
الوقفة الأولى:
هل يجوز للمسلم إذا رأى إنسانا أن يسخر بخلقته؟ والذي خلقه هو الله، والذي امتن على عباده بذلك في كتابه؟
السخرية حرام قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ)الحجرات/11.
الوقفة الثانية:
قد يقول قائل: هناك أناس مشوهون، هناك أناس معاقون، فاقدو للسمع، للبصر، للحركة، لأمور… فكيف نقول مع هذا: إن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم؟
نقول: هذا هو الأصل أن الإنسان يخلق في أحسن خلقة، لكن يبتلى بعض الناس بالنقص وبالإعاقة لأجل أن يصبر ويختبر ويؤجر على هذا البلاء وعلى هذا الامتحان، وأيضا لتتجلى لنا قدرة الله على خلق المتضادات.
–من قدرة الله العظيمة أنه يخلق الشيء وضده؛ خلق الليل وضده النهار، خلق الذكر وضده الأنثى، خلق القوة وضدها الضعف، خلق الغنى وضده الفقر، وهكذا… الله على كل شيء قدير. فالله عز وجل عندما يسلب هذا الإنسان هذه النعمة، يعلم أن الله على كل شيء قدير.
أيضا من حكمة الله أنك إذا رأيت من يفقد شيئا من حواسه أنت تتذكر نعمة الله عليك؛ تقول: وهب الله السمع، والبصر، والنطق، والحركة، والمشي، والعقل… فهذه نعم إذا رآها الإنسان مسلوبة من غيره تذكر بها نعمة الله عليه.
ثم يقول الله عز وجل: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ):
هذا الإنسان الذي وهبه الله هذه النعم الجليلة وامتن عليه بفضله، ولكنه عاند الله ورسوله، ولكنه كفر بالله، ولكنه عصى الله، فإنه يرد أسفل سافلين، هذا في الآخرة، في يوم القيامة، يرد إلى جهنم التي قعرها بعيد، وحرها شديد، ومقامعها حديد.
يوم القيامة يرد أسفل سافلين لأنه كفر بنعمة الله، الله من عليه بالسمع والبصر وحسن الهيئة والصورة، ولكنه لم يشكر الله، ولكنه لم يخلص لله عبادته، فيرده الله عز وجل أسفل سافلين.
كذلك لا تغتر بهذه المرأة التي تفخر بجمالها، وتتباهى عند مجامع الرجال، ولا تخشى الله في إظهار الزينة، إنها سنوات معدودة ثم ترد إلى أسفل سافلين والعياذ بالله إن لم تتب. فالإنسان الذي لا يشكر نعمة الله فإن مصيره إلى النار والعياذ بالله.
فضل الإيمان والعمل الصالح؟
قال الله عز وجل: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)؛ لا يردون أسفل سافلين، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الكفار حتى في الدنيا يفعلون أفعالًا لا تفعلها الحيوانات، لا تفعلها البهائم العجماوات، لا تفعل مثل أفعال بعض الكفرة والعياذ بالله، الوقوع في فعل اللواط لا تفعله الحيوانات ولا تفعله الحمير، ومع ذلك منظمات في الغرب ترعى حقوق اللوطيين، أليس هذا هو غاية أسفل السافلين؟! كما قال ربنا سبحانه وتعالى.
ثم قال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)؛ غير مقطوع. الجنة ثوابها دائم، نعيمها باقي، أهلها مخلدون في نعيم لا ينقص ولا ينقطع كما أخبرنا الله عز وجل في كتابه وهو أصدق القائلين.
حكمة الله العظيمة وكمال عدله؟
يقول الله عز وجل بعد ذلك: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ)؛ هذا استفهام استنكاري وتوبيخ لهذا الإنسان الذي يرى كل هذه النعم في نفسه وفي خلق الله، ثم بعد ذلك يكذب بالدين، يكذب بالجزاء، يكذب بيوم القيامة الذي يجازى فيه كل إنسان على أفعاله وأقواله، ما يكذبك أيها الإنسان وأنت ترى من قدرة الله ما يدل على أنه لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى؟!
ثم يقول الله سبحانه وتعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)؛ أيضًا هذا استفهام استنكاري.
-(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)؛ من أحسن من الله حكمًا؟ لا أحد.
-(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)؛ قال أهل العلم فيه تصبير للمبتلى أن يصبر لأنه مأجور على محنته وعلى بلائه، فيها تصبير للمظلوم، لا تستأخر، لا تستبطئ نصر الله لك أيها المظلوم، الله إن أمد الظالم فإنما يمده لحكمة ليزداد إثمًا ويزداد شرًا في الدنيا والآخرة، وأما المظلوم فإنه يزداد أجرًا ومغفرة وثوابًا كلما طالت مدة الظلم.
-(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)؛ رد على هؤلاء الذين يعترضون على الشريعة: لماذا يجلد الزاني؟ ولماذا يرجم؟ ولماذا تقطع يد السارق؟ لماذا حرم الله الربا؟ لماذا أوجب الله الحجاب؟ لماذا؟ لماذا؟ أليس الله بأحكم الحاكمين؟! بلى، كان النبي ﷺ كما جاء في رواية الترمذي إذا قرأ هذه الآية قال: «بلى».
نعم، الله أحكم الحاكمين، فكيف نعترض على أحكامه سواء كانت الأحكام قدرية؟
لا تعترض على قدر الله، الله أحكم الحاكمين، إن جعلك فقيرًا، إن جعلك مريضًا، إن جعلك مظلومًا، اصبر فإن الله أحكم الحاكمين، واسأل الله عز وجل من فضله سبحانه وتعالى أن يرفع عنك. في هذه الآية حكم عظيمة ينبغي للعبد أن يقف عندها.