وصى الله تبارك وتعالى عباده بأعظم الوصايا، وأرشدهم إلى أحسن الأخلاق والمعاملات، وأمرهم ونهاهم بما فيه سعادتهم وصلاحهم في معادهم وفي معاشهم، ومن تلك الوصايا العظيمة والأخلاق الجميلة التي أوصى الله تبارك وتعالى بها، الإحسان إلى الأيتام ورعايتهم والقيام بشؤونهم وهكذا أمثالهم من الضعفاء.

-والله تبارك وتعالى أوصى عباده بالإحسان إلى اليتيم، وهذه الوصية تكررت في جميع الشرائع السماوية قال تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ )البقرة/83، فهذه أمور لا تختلف فيها الشرائع.

الوصية بالتوحيد هي دعوة كل الأنبياء، كل الأنبياء دعوا إلى توحيد الخالق سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة، أن لا تصرف العبادة من صلاة، من ركوع، من سجود، من دعاء، من ذبح، من نذر، لا يصرف شيء من ذلك إلا لله ( لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) الخلق مع الخلق بعد معاملة الخالق سبحانه وتعالى، فأعظم الخلق حقا عليك الوالدان، وذي القربى القرابة صلة الأرحام، ثم قال واليتامى والمساكين.

-وقال الله تبارك وتعالى لهذه الأمة: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ … ) إلى قوله تعالى: ( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )البقرة/177.

من عمل بوصايا الله سبحانه وتعالى لعباده فهو صادق في إيمانه، الإيمان ليس مجرد ادعاء، الإيمان ليس قولا باللسان فحسب، الإيمان تصديق بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان.

فالذين صدقوا مع الله هم الذين آمنوا بالله وبملائكته وكتبه وبقية الأركان، ثم آتى المال صدقة، الصدقة برهان دليل على صدق إيمان الإنسان، كما قال الصدقة برهان.

صفات المؤمنين والكافرين في التعامل مع اليتيم؟

-جعل الله تبارك وتعالى الإحسان إلى الأيتام من صفات المؤمنين، وأما الذي لا يؤمن بالله فقلبه قاس لا رحمة فيه، لا يراقب الله كما قال الله تبارك وتعالى: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ )الماعون/1-2، سبحان الله يجتمع الكفر مع سوء الأخلاق، لأن الكفر بالله عز وجل من أعظم سوء الأخلاق، كيف تتعامل مع الله عز وجل الخالق البارئ المصور الرازق، الذي يمدك بأنواع النعم صباحا مساء، تقابله بالجحود والنكران للجميل .

-الكافر جاحد لنعم الله، الكافر مغط لفضل الله عليه، والكفر هو التغطية، فالكافر يغطي نعمة الله عليه، هو في نعم في رغد من العيش ولكنه لا يقوم بحق ربه، يتثاقل عن شكر الله سبحانه وتعالى الذي أنعم عليه، فهذا الكافر من صفاته كما قال تعالى: ( فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ )، يعامل اليتيم معاملة عنيفة، يدعه يزجره يدفعه يقسو عليه لأنه لا ناصر له، وهذا الجنس من الخلق موجود أنه إذا رأى ضعيفا تسلط عليه، ولكنه جبان يخاف من الأقوياء الذين يراهم بعينه.

-أما المؤمن فإنه يراقب الله، فجمع الله تبارك وتعالى بين الكفر وبين سوء الأخلاق وسوء المعاملة للأيتام، ولهذا أوصى الله تبارك وتعالى نبيه والوصية نافذة لأمته كما قال تعالى: ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ )الضحى/9-10، ومعنى أما اليتيم فلا تقهره لا تزجره لا تتسلط عليه لأنه ضعيف لا ناصر له فأما اليتيم فلا تقهر، فهذا ما أوصى الله تعالى به هذه الأمة المباركة.

فضل كفالة اليتيم في السنة النبوية؟

نبينا وردت عنه الأحاديث الكثيرة في الأمر بالإحسان إلى الأيتام، والحذر من ظلمهم والقسوة عليهم، وأكل أموالهم والتسلط على أملاكهم.
-يقول النبي في الحديث المتفق عليه :”أنا وَكافلُ اليتيمِ في الجنَّةِ كَهاتين ، وأشارَ بأصبُعَيْهِ يعني : السَّبَّابةَ والوسطى”مسلم.

هل تريد أن تكون رفيقا للنبي في الجنة، اكفل يتيما، وكفالة اليتيم تكون برعايته، بالتكفل بنفقته، بتأديبه، بتعليمه، بتحفيظه القرآن، بتعليم السنة، تحسن تربيته، وإذا لم يتيسر لك ذلك يمكن أن توكل غيرك بذلك بمالك.

فضل كفالة اليتيم وحفظ حقوق الضعفاء؟

هناك جهات خيرية تكفل آلاف الأيتام بأموال قليلة، وتنشئ لهم مساكن، أو تدفع المال لمن يقوم على تربيتهم وإصلاحهم، فأنت أيها المسلم كافل لليتيم، وإن كانت الكفالة أكمل إذا كان اليتيم في بيتك، لكن هذا قد لا يتيسر في كل حال.
-فالذي يكفل يتيما ويقوم بنفقته الشهرية دخل في هذا الحديث قطعا: “كافِلُ اليَتيمِ له أو لغَيرِه أنا وهو كَهاتَينِ في الجَنَّةِ، وأشارَ مالِكٌ بالسَّبَّابةِ والوُسطى”مسلم.
المال ننفقه هنا وهنا وهنا، ألا ندخر شيئا لآخرتنا؟
يقول عليه الصلاة والسلام في حديث البخاري: “…..إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلوةٌ، ونِعمَ صاحِبُ المُسلِمِ لمَن أخَذَه بحَقِّه” -من هو صاحب المسلم؟ المال الذي يصحبك إلى الدار الآخرة، أما المال الذي تتركه وراءك فهو للورثة- “…فنِعمَ صاحِبُ المُسلِمِ ما أعطى منه المِسكينَ واليَتيمَ…..”، نعم صاحب المسلم أن تنفق شيئا يكون صاحبا لك إلى الله تبارك وتعالى في الدار الآخرة.

وهكذا يحرج النبي على أمته: “إِنَّي أُحَرِّجُ عليكم حقَّ الضعيفينِ : اليتيمُ ، والمرأةُ”رواه ابن ماجه والإمام أحمد، يحرج: يضيق عليكم، انتبه! انتبه إلى هذا الأمر، فأما اليتيم فلا تقهر، أحرج عليكم حق الضعيفين.

اليتيم ضعيف كما قلنا، ليس له ولي يدفع عنه ولا أب، ولهذا قد يتسلط عليه بعض الظلمة أو قساة القلوب أو ممن لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

وهكذا المرأة، بعض الرجال إذا كانت المرأة غريبة في بلدها، أو كان لا ناصر لها، أو كان أبوها شيخا كبيرا، أو كان لا أحد يسأل عنها من إخوانها، تسلط عليها وظلمها، والعاقبة خطيرة، العاقبة يا عبد الله خطيرة، فإن الجزاء من جنس العمل.

إن لك ربا يحاسبك، يحذرك، يقول المولى جل جلاله: ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا )النساء/9. لك ذرية؟ لك أطفال؟ ألا تخشى أن يقبض الله روحك، ويتسلط ظالم على ولدك كما تسلطت على الضعيف؟ الله يحذرك: {وليخش}، انتبه، الجزاء من جنس العمل.

الله سبحانه وتعالى يعاملك بما تعامل به خلق الله، وهكذا إذا أردت أن يحفظ الله تعالى لك ولدك، في حياتك ومن بعد مماتك فكن صالحا، فكن تقيا، كن مؤمنا عاملا بالصالحات.

قال تعالى: ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا )الكهف/82. الله أكبر، صلاح الأب خير للأبناء، صلاح الأب وتقواه وخوفه من الله سبب في حفظ الذرية.

-كان ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه يقوم الليل ويقول: “من أجلك يا بني أقيم الليل ليحفظك الله”. ( .. لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ … وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا )، الله تعالى أمر نبيه ومولاه أن يصلح الجدار للغلامين لأن أبوهما كان صالحا.

اليتيم وأحكام التعامل مع ماله؟

اليتيم من كان دون البلوغ، وأما إذا بلغ فإنه تنتفي عنه صفة اليتم، كما قال : “لا يُتمَ بعد احتلامٍ”أبو داود.
بعد أن يبلغ الغلام الحلم، بعد أن تبلغ البنت ينتفي عنها اسم اليتم، لكن لو استمر الإنسان في الكفالة والرعاية كان له بذلك أجر عظيم عند الله تبارك وتعالى.
والله تبارك وتعالى حذر من أكل أموال اليتامى، من ضم أموالهم إلى أموالك وتأكل الجميع بلا رعاية ولا حساب قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا )النساء/10.

ولما نزلت الآية -يقول ابن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن- لما نزلت الآية: ( وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )الأنعام/152، خاف الناس، عزلوا طعام اليتيم عن طعام أهل البيت، يشتري الشيء من السوق من الطعام ويحبسه له فيفسد وينتن اللحم ولا يقربه، فنزل قول الله تبارك وتعالى: ( وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ )البقرة/220.

الله أعلم بنيتك، الله أعلم بعملِك وبقولك، وهو يجازي كلا بحسب عمله، فخالطوهم في أموالهم وأكلوا من طعامهم،قال تعالى: ( وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ )النساء/6.

وإذا بلغ الأيتام فإنهم يبتلون يختبرون قال تعالى: ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ )النساء/6.

لا يدفع مال اليتيم إليه إلا بشرطين اثنين:

الشرط الأول: أن يبلغ الحلم.

الشرط الثاني: أن يكون راشدا في تصرفاته، ألا يكون سفيها، ألا ينفق المال الكثير في الأشياء التافهة: ( وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا )النساء/5.

لو بلغ عشرين سنة أو إحدى وعشرين سنة فإنه لا يدفع إليه المال إذا ثبت عليه السفه، إذا كان لا يحسن التصرف والتدبير.

وورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: “اتجروا في مال اليتيم” أو “في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة”.

فولي اليتيم ووليه من أم، من أرملة، من عم، من أخ كبير عليه أن يتجر بأموال اليتامى وأن يستثمرها لهم بالطرق الحلال، لا يضعها في بنك ربوي وإنما يستثمرها بطريق حلال آمن حتى لا تضيع هذه الأموال.