للشيطان مداخل كثيرة لإغواء الإنسان، وأشد ما يهتم به العقيدة، لأنها إذا انحرفت انحرف السلوك كما صح في الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “ألا إن في الجسدِ مضغةً إذا صلَحتْ صلَحَ لها سائرُ الجسدِ وإذا فسدتْ فسد لها سائرُ الجسدِ ألا وهي القلبُ”رواه البخاري ومسلم.
والنفس مرتع خصيب لوسوسة الشيطان، فقد تمر عليها أفكار وخواطر كثيرة، بعضها يمر عابرًا لا يمكث إلا قليلا، وبعضها يأخذ حيزًا من تفكير الإنسان ثم يمضي، وبعضها الآخر قد يثبت ويرسخ ويدفع للتنفيذ.
الحالات التي يؤاخذ الله عليها في الوساوس الشيطانية؟
إذا كانت هذه هي طبيعة النفس البشرية التي خلقنا الله عليها فإنه –وهو العليم اللطيف الخبير- تجاوز عن كل هذه الخواطر ولا يؤاخذ عليها؛ إلا في حالتين:
الأولى: إذا عزم الإنسان عليها عزمًا أكيدًا وصمم على تنفيذها، بدليل حديث الصحيحين: البخاري ومسلم “إذا الْتقى المسلمان بسيفَيهما ، فقتل أحدُهما صاحبَه ، فالقاتلُ و المقتولُ في النَّارِ قيل : يا رسولَ اللهِ هذا القاتلُ فما بالُ المقتولِ ؟ قال : إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه”.
الثانية: إذا نفذ ما عزم على تنفيذه، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: “إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ تَجاوزَ لأُمَّتي عَمَّا حَدَّثَت به أنفُسَها، ما لم تَعمَلْ، أو تَكَلَّمْ به”رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
محل المؤاخذة على الوساوس الشيطانية؟
محل المؤاخذة على العزم على السيئة، وإن لم يفعلها، إذا كان المانع من فعلها عجزًا أو خوفًا من رقيب من الناس، لكن إذا كان المانع من تنفيذ ما عزم عليه خوفًا من الله فلا يؤاخذهن بل قد يعطيه ثوابًا على مجاهدة نفسه، وبهذا يوفق بين ما قد يكون في بعض النصوص من تضارب في الظاهرة.
بعد هذا نقول: إن من خواطر السوء ما جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ. “يَأتي الشَّيطانُ أحَدَكُم فيَقولَ: مَن خَلَقَ كَذا وكَذا؟ حتَّى يَقولَ له: مَن خَلَقَ رَبَّك؟ فإذا بَلَغَ ذلك، فليَستَعِذْ باللهِ وليَنْتَهِ”البخاري ومسلم.
-وقد سُئِلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الوسوسةِ، قال: “تلك مَحضُ الإيمانِ”رواه مسلم. وفي رواية “صريح الإيمان” بمعنى أن الخوف من هذه الوسوسة يدل على الإيمان الخالص، لا أن الوسوسة تكون من الإيمان.
-وجاءَ ناسٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَألوه: “إنَّا نَجِدُ في أنفُسِنا ما يَتَعاظَمُ أحَدُنا أن يَتَكَلَّمَ به، قال: وقد وجَدتُموه؟ قالوا: نَعَم، قال: ذاك صَريحُ الإيمانِ”رواه مسلم.
وقد بيّن الحديث الدواء الناجح لهذه الوسوسة، وهو الاستعاذة بالله والانتهاء عن التمادي فيها والركون إليها، وذلك من وحي قوله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم)الأعراف/200.
وإذا استعاذ الإنسان الضعيف بالله القوي كان ذلك دليلاً على عبوديته الخالصة له، والله يقول للشيطان الذي أقسم أن يغوي الناس أجمعين (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)الحجر/42.
ويوضح هذا ما حكى عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول؟ قال: أرايت لو مررت بغنم ينبحك كلبها ومنعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: هذا يطول عليك؟ لكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك. فالاستعانة بالله القوي سبيل لطرد وساوس الشيطان.