يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

جاءت شريعة الإسلام المباركة فيما يحقق للناس السعادة والمصلحة العامة في الدنيا والآخرة. ولقد اهتمت شريعة ربنا سبحانه وتعالى بأمر المرأة اهتماماً بالغاً، فأوجبت عليها الحجاب ستراً لمحاسنها ومفاتنها عن الرجال الأجانب.

والحجاب فريضة الله وأمره سبحانه وتعالى اللازم لكل امرأة بالغة، فإنه يجب عليها أن تقوم بفريضة الله تبارك وتعالى التي أوجب الله عز وجل عليها.

وإن من العجيب أن يشكك بعض الناس في هذا العصر بهذه الفريضة، ويزعم بعض الملاحدة أن الحجاب والستر إنما هي عادة عربية قديمة، وليست من الإسلام أو ليست من الدين، نعوذ بالله عز وجل من الخذلان.

أدلة الحجاب من القرآن الكريم؟

أوجب الله تبارك وتعالى هذه الفريضة في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، فمن ذلك:
1. آية سورة النور:
-قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ…﴾النور/31.
فقد أوجب الله تبارك وتعالى على المرأة المؤمنة أن تغض بصرها وأن تحفظ فرجها، وهي إذا تبرجت وتزينت، فإنها تدعو الرجال إلى الكلام معها والتواصل، وهذا ليس هو طريق العفة وحفظ الفرج.

-قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إلا ظاهر الثياب، إلا ما ظهر من أطراف الثوب الذي قد لا تستطيع إخفاءه.

-ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ والخمار هو ما يوضع على الرأس ويلقى على الوجه ويستر به النحر والصدر. الله تبارك وتعالى يأمرهن بضرب الخمار ما تغطي به المرأة رأسها ووجهها. وإذا قال قائل إنما المقصود هو ستر النحر وستر الصدر وليس الوجه، قلنا إن الوجه أعظم فتنة وزينة وجذباً لقلوب الرجال من النحر، وهذا باتفاق العقلاء. فإذاً أوجب الله تبارك وتعالى على المرأة في هذه الآية أن تستر وجهها ونحرها وصدرها.

-وقال تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ فمنع المرأة من إبداء الزينة، منعها من التبرج وإظهار الزينة إلا للأزواج، ويجوز كذلك للمحارم النظر إلى الزينة الظاهرة من المرأة في الشعر واليدين والرجلين، ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ…﴾؛ فهذا إباحة للنظر للزينة الظاهرة للمحارم.

-ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾: كانت المرأة في الجاهلية تلبس الخلاخيل من الذهب، فإذا مرت بمجامع الرجال والأسواق ضربت برجلها فيسمع صوت خلخالها فيلتفت لها الرجال، فمنع الله سبحانه وتعالى المرأة المسلمة العفيفة من أن تجذب انتباه الرجال بملابسها أو بالزينة الخفية وهو صوت الخلخال من الذهب، وهذا أبلغ في التستر والبعد عن إثارة الفتنة والشهوات.

2. آية سورة الأحزاب (آية الجلباب):

قال الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِك أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾الأحزاب/59.

فيأمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يبدأ بأمر المؤمنات بالحجاب، وأن يبدأ بأهل بيته أولاً؛ إذا أردت أن تطاع فامر أهلك وقرابتك أولاً بالأمر، حتى يتخذك الناس قدوة ويتابعوك على عادتك وعملك كما قال تعالى: ﴿قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ والجلباب هو الثوب الذي يلبس فوق الثياب.

الجلباب ليس هو الثوب الذي تلبسه المرأة كما يقول بعض من لا علم له لا باللغة ولا بالكتاب والسنة، الجلباب هو العباءة هو الملاءة التي تلبس فوق الثياب.

وهذا يدل عليه حديث أم عطية رضي الله عنها في الصحيحين لما أمر النبي نساء المؤمنين بالخروج إلى صلاة العيد، قالت أم عطية :قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إحدانا لا يَكونُ لَها جِلبابٌ، قال: “لتُلبِسها أُختُها مِن جِلبابِها”.

إحدانا لا يكون لها جلباب يعني تلبسه عند الخروج وليس المقصود ثوباً، فالنساء كن يلبسن الثياب، ولكن ليس كل النساء عندها جلباب تلبسه فوق ثيابها إذا خرجت، قال عليه الصلاة والسلام: «لتُلبِسها أُختُها مِن جِلبابِها»؛ تعاونها على الخير، وتساعدها على الطاعة بأن تعيرها جلباباً وعباءة تخرج بها إلى صلاة العيد.

3. آية الحجاب (المتاع):

قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾الأحزاب/53.

إذا سألتم النساء، وأول ذلك أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فإن الآية نزلت فيهن، ونزلت في أصحاب الرسول ، فالله تعالى يوصي أمهات المؤمنين، ويوصي أصحاب رسول الله إذا سألوهن، وهذا ينسحب على نساء الأمة فإنهن أحوج إلى الستر وإلى العفة والطهارة. فإذا كان الأمر متوجهاً لأزواج النبي وصحابته فما بالكم بالأمر والناس من بعدهم؟

ثم إن الله سبحانه وتعالى قد علل الأمر علل أمر الحجاب بحكمته سبحانه بالحجاب فقال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ ذلكم الأمر الإلهي الرباني من عند الله عز وجل: (إذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب)؛ إما أن يكون من وراء الباب إذا كلمتها تكلمها من وراء الباب، أو أن يكون بينك وبينها حجاباً فلا تراها، ثم قال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.

نعم، طهارة القلب هي التي يريدها رب العباد سبحانه وتعالى. بعد الإنسان عن الفتنة والنظر أطهر لقلبه، فإن العينين – كما قال النبي -: …العينان تزنيان وزناهما النَّظرُ واليدان تزنيان وزناهما البطشُ والرِّجلان تزنيان وزناهما المشْيُ والفمُ يزني وزناه القُبلةُ والقلبُ يهُمُّ أو يتمنَّى ويُصدِّقُ ذلك الفرْجُ أو يُكذِّبُه”البخاري ومسلم.

كُـلُّ الـحَـوَادِثِ مَـبْـدَاهَـا مِـنَ الـنَّـظَـرِ … وَمُـعْـظَـمُ الـنَّـارِ مِـنْ مُـسْـتَـصْـغَـرِ الـشَّـرَرِ

كَمْ نَظْرَةٍ بَلَغَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا … مَبْلَغَ السَّهْمِ بِلَا قَوْسٍ وَلَا وَتَرِ

النظرة المسمومة سهم من سهام إبليس يا عباد الله، كما يقول شاعرهم:

نَـظْـرَةٌ فَـابْـتِـسَـامَـةٌ فَـسَـلَامٌ … فَـكَـلَامٌ فَـمَـوْعِـدٌ فَـلِـقَـاءُ

4. آية القواعد من النساء:

قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾النور/60.

العجائز اللاتي انقطع عنهن المحيض وليس ذلك فقط، بل لا يرجون زواجاً ولا نكاحاً، امرأة كبيرة السن عجوز لا تطمع في الزواج ولا يطمع فيها رجال، فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة.

ما هو الثوب الذي تضعه هذه العجوز؟ هو أن تترك زيادة التستر، فلا تستر وجهها ولا كفيها ولا تكون مبالغة في ذلك كالمرأة الشابة. وهذا من أعظم الأدلة على حرص الشرع على بعد المرأة أن تكون فتنة في نفسها أو أن تكون فتنة لغيرها.

أدلة الحجاب من السنة النبوية وآثار الصحابة؟

فعل نساء الأنصار والمهاجرين:
من الأحاديث أدلة كثيرة، منها عن عائشَةَ رضيَ اللَّهُ عنها أنها قالَت: يَرحَمُ اللَّهُ نساءَ المُهاجراتِ الأُوَلَ، لمَّا أنزلَ اللَّهُ: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شقَّقنَ أكنف مروطَهُنَّ فاختمرنَ بِها”البخاري،أبو داود،النسائي.
وفي الحديث الآخر: “كُنَّ النِّساءُ يصلِّينَ معَ رسولِ اللَّهِ الصُّبحَ متلفِّعاتٍ بِمروطِهنَّ . فيرجِعنَ ، فما يعرفُهنَّ أحدٌ منَ الغَلَسِ”البخاري،مسلم،أبوداود،النسائي. هذه نساء الأنصار ونساء المهاجرين أعظم وأعظم.
-ومن خالف طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فإنه يبوء بالخسران، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾التوبة/100.

-أما مخالفة المؤمنين ومشاقة الدين فإنها خسارة في الدنيا والآخرة، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ النساء/115. فلا تقول لا يلزمني ما كان عليه المسلمون في الأول، فهذه طريق النار عياذاً بالله من ذلك.

  • حديث النظر إلى المخطوبة:

ومن الأدلة على وجوب ستر الوجه خاصة أن الرسول أباح للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، كما جاء في حديث أحمد وأبي داود وابن ماجه يقول : “إذا خَطَبَ أحَدُكُم امْرأةً، فلا جُناحَ عليه أنْ يَنظُرَ إليها إذا كان إنَّما يَنظُرُ إليها لخِطْبةٍ، وإنْ كانَتْ لا تَعلَمُ”أحمد،الطبراني؛ إذا كان ينظر للمرأة إذا كان يريد خطبتها فلا حرج عليه، إذا كان إنما ينظر لخطبة.

قال أهل العلم: هذا من أعظم الأدلة وأصرحها أن المرأة لو كانت تمشي في السكة كاشفة وجهها لم يحتاج الخاطب إلى إباحة النظر إليها، فلما أُبيح للخاطب خاصة النظر دل على أن الأصل ستر الوجه عن الرجال الأجانب.