يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن الأمن والأمان والاستقرار في الأوطان نعمة عظيمة من ربنا الرحمن سبحانه وتعالى، وهذه النعمة عدلت في كتاب الله تبارك وتعالى بالأنفس والأرواح؛ قال سبحانه وتعالى: ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ )النساء/66، فعدل الله سبحانه وتعالى بين إزهاق الأرواح والخروج من الأوطان.
-وحب الوطن غريزة في النفس، بل هي موجودة حتى عند غير البشر من الطير والحيوان.
الرسول ﷺ لما قال له ورقة بن نوفل: “يا لَيتَني فيها جَذَعًا” -يعني شاباً- “حينَ يُخرِجُكَ قَومُكَ”، فاستغرب النبي ﷺ وقال: “أومُخرِجيَّ هُم؟ فقال ورَقةُ: نَعَم؛ لَم يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثلِ ما جِئتَ به إلَّا عوديَ”مسلم.
ولما خرج من مكة -يقول عبد الله بن عدي- التفت نحو مكة وقال: “واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ ما خرجتُ”الترمذي،ابن ماجه. هذا حبه ﷺ لمكة حرسها الله عز وجل.
هذا الحب للوطن يجب أن يترجم إلى الأعمال النافعة له، المفيدة لأمنه وأمانه، واستقراره ودوامه، وبنائه، والعمل والجد والاجتهاد في هذا المجال وفي هذا المضمار، حتى يظهر الحب الحقيقي لهذا الوطن، الحب الذي له ثمرة وله منفعة على أهله، وعلى بقائه واستقراره واطمئنانه، وعلى دوامه وقوته وعزته ورفعته في الدنيا والآخرة.
فالمواطن الصالح له أعمال وواجبات تدل على حبه الحقيقي لبلاده ولأوطانه.
1- السعي في نشر التوحيد:
وتذكير العباد بحق رب العباد على العباد؛ فإن التوحيد والإيمان هو أعظم ما يحفظ الأوطان.
الله سبحانه وتعالى ذكرنا في كتابه بأمم كانت سائدة ورائدة وقوية لما كانت موحدة مؤمنة، فلما تركوا ذلك بدّل الله تعالى حالهم عياذاً بالله عز وجل. ذكر الله تعالى لنا قوم سبأ وقال عنهم: ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ )سبأ/15-16، ثم قال سبحانه: ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ )سبأ/17.
نعوذ بالله عز وجل من الكفر وآثاره المدمرة على الأفراد وعلى المجتمعات.
الدعوة إلى تحصين المسلمين من الوقوع في أعظم الظلم الذي هو الشرك بالله سبحانه وتعالى.
2 – العمل على الأخذ بكتاب الله تبارك وتعالى:
حفظاً وقراءة وتلاوة ودراسة وفهماً وعملاً، عملاً بما أنزل الله سبحانه وتعالى؛ قال عز وجل: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ )البقرة 121. والتلاوة على وجهين، فُسّرت على وجهين: التلاوة يعني القراءة، والتلاوة يعني الاتباع ( وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا )الشمس/2، يعني تبعها.
فالذي يقرأ القرآن ولا يعمل به ما اتبعه ولا تلاه التلاوة الحقيقية التي يريدها الله سبحانه وتعالى من عباده.
3 – العمل على نشر أحاديث النبي ﷺ الصحيحة:
التي هي الوحي الثاني، كما قال ﷺ: “ألَا إنِّي أُوتيتُ الكِتابَ ومِثلَه معه”أبو داود وأحمد.
السنة النبوية وحي من عند الله عز وجل قال تعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى )النجم/3-5، معلم النبي عليه الصلاة والسلام جبريل، معلم النبي عليه الصلاة والسلام ليس بشراً، ما كان النبي ﷺ يتلقى التعاليم من الناس ولا من البشر، وإنما كان يأتيه الوحي من السماء ﷺ.
-الاهتمام بالسنة والأخذ بها والتحاكم إليها، أما أن يأتيني حديث الرسول ﷺ وأعارضه وأقول: “قال الفقيه الفلاني وقال الشيخ الفلاني” وأترك حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ما هكذا كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم.
4 – العمل على إقامة العدل:
ويبدأ الإنسان بنفسه أولاً؛ أن يقيم العدل في نفسه. والعدل في الإنسان أن تكون سريرته وعلانيته واحدة، هذا العدل. والإحسان أن تكون سريرتك أفضل من العلانية.
يستطيع الإنسان أن يخادع الناس ولكن لا يستطيع أن يخادع الله، كما قال الله عز وجل عن المنافقين الذين كانوا يظهرون الحسن ويظهرون الصلاة ويظهرون الصلاح قال عز وجل: ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ )النساء/142. يخادعون الله وهو خادعهم لأن الله عز وجل يمهلهم في الدنيا يفعلون ما يشاؤون، حتى إذا لاقوا ربهم عرفوا الحقيقة وعرفوا المآل.
-العدل في الأبناء، العدل بين الأبناء.
-العدل في الزوجات.
-العدل في معاملة الناس.
-إقامة العدل في الإنسان؛ قبل أن يطالب الإنسان غيره بإقامة العدل يبدأ بنفسه، يبدأ بأسرته، يبدأ بمن ولاه الله عليه ممن هم تحت يده.
5 – العمل على تحقيق الوسطية:
فديننا وسط قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا )البقرة/143، كن وسطاً كما أمرك الله عز وجل؛ بين الغلو والتشدد، وبين التساهل والتفريط. دين الله وسط بين هذا وهذا. الغلو والتشدد مذموم في كتاب الله تبارك وتعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ )النساء/171.
من غلو أهل الكتاب أنهم حرموا بعض الطيبات على أنفسهم وهجروا الحياة الدنيا وهجر الزوجة والولد وأقامت الأسرة، هذا غلو، منهي عنه في ديننا.
وكذلك نهانا الله عن التفريط، والتساهل، والإقبال على الدنيا، ونسيان العبادة، ونسيان الله، هذا تساهل وتفريط، المسلم الحق بين هذا وهذا، رجل وسط في أموره كلها، ومتى اتبع الكتاب والسنة، وهدي النبي ﷺ وسلف الأمة، كان وسطاً، كان نافعاً، كان فرداً صالحاً نافعاً لأمته.
6- لزوم الجماعة وعدم تفريق الكلمة:
أن تلزم جماعتهم، وأن لا تفرق كلمتهم، وأن لا تشق صفهم، وأن لا تدعو إلى التفريق، ولا تدعو إلى العنصرية، ولا تدعو إلى القبلية، لأن هذه تفرق الأمة.
النبي عليه الصلاة والسلام حذر المسلمين من الاعتزاء بعزاء الجاهلية، كل يقول: “يا لفلان!”، أو يقول: “يا آل فلان!”، لا، هذا يفرق المسلمين، الواجب أن نكون أمة واحدة كما أمرنا الله عز وجل، أن نكون إخواناً متحابين في الله.
الرسول عليه الصلاة والسلام قال: “لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفسِه”مسلم، وقال سبحانه وتعالى قبل ذلك: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )الحجرات/10، كل دعوة تفرق الأمة وتدعو إلى الرجوع إلى عزاء الجاهلية فهي دعوة منتنة، دعوة محرمة، حرمها الله تعالى، وحرم الدعوة إليها، ومن فعلها -والعياذ بالله- فهو من دعاة جهنم الذين أخبر عنهم النبي ﷺ.
7 – بذل الحقوق لولاة الأمر والطاعة في المعروف:
أن تبذل الحقوق لولاة الأمر، أن تسمع لهم وأن تطيع في العسر واليسر، حتى لو رأيت استئثاراً بالأموال، استئثاراً بالدنيا، فأدِّ الذي عليك؛ فإن الله عز وجل سائلك عن واجبك وسائلهم عن واجبهم، لأن الله عز وجل أمرنا بذلك وأمر بالصبر، وعدم شق الصف، وعدم التهيج على ولاة الأمر، والتحريض على عصيانهم أو الدعوة إلى الخروج عليهم أو كل عمل فيه فوضى، فيه نشر للفوضى، من المظاهرات وغيرها التي تضر بأمن وأمان البلاد.
المواطن الصالح الذي يحب وطنه حقاً لا يقع في هذه المزالق التي حرمها الله تعالى في كتابه وحرمها رسوله ﷺ.
8 – تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة:
أن تقدم المصلحة العامة لوطنك، ولبلدك، ولأمتك، على مصلحتك الخاصة، أو على مصالح أقربائك. هذا الذي يحب بلاده؛ يقدم المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة، ولا ينسى المصالح العامة التي تنفع جميع المسلمين بحجة أن له مصلحة خاصة.
-الحفاظ على دماء المسلمين وأعراضهم وشكر النعم، أن تسعى بما تستطيع في الحفاظ على دماء المسلمين، وعلى أعراضهم، والبعد عما يشوش عليهم.
ليس المحب لوطنه هو الذي يحدث الفوضى في الشوارع، وفي السيارات، ويعاكس النساء، ويضر الناس، بزعم أنه يحتفل في المناسبات.
فالواجب هو شكر الله سبحانه وتعالى على النعم، وسؤاله المزيد من فضله سبحانه وتعالى.