عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، بعد الشرك بالله تعالى، ولكنه لا يجيز لأحد الوالدين حرمان الابن العاق من حقه الشرعي في الميراث، فقد تولى الله سبحانه وتعالى قسمة المواريث بنفسه في كتابه، وجعلها وصية وفريضة منه، كما قال تعالى في آية ميراث الأولاد : ( يوصيكم الله في أولادكم) وقال في آخرها : ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا). (النساء: 11).

ولم يحرم الشرع من الميراث إلا القاتل لمورثه، فلا ميراث لقاتل . أما حرمان الابن من حقه في الميراث الميراث بوصية فإن هذه الوصية ظالمة وممنوعة شرعًا.

هل الوصية ليس لها قيود؟

الوصية الشرعية مقيدة بقيدين :
1 – أن تكون في حدود الثلث ” والثلث كثير ” كما في الحديث الصحيح. (متفق عليه عن سعد بن أبي وقاص . انظر : اللؤلؤ والمرجان 1053) .
بل قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو غض الناس إلى الربع ! ؛ لأن رسول الله -- قال : ” الثلث والثلث كثير أو كبير . (متفق عليه كما في اللؤلؤ والمرجان 1054).
ومعنى ” غض ” أي نقص . و ” لو ” للتمني، أي أنه يتمنى لو أن الناس نقصوا الوصية من الثلث إلى الربع فيكون أولى لدلالة الحديث.

2- ألا تكون لوارث، لحديث ” لا وصية لوارث . (رواه الدارقطني عن جابر وهو في صحيح الجامع الصغير 7441).
والوصية لوارث محرمة باتفاق العلماء ؛ إلا إذا أجازها بقية الورثة ؛ لأن المنع إنما هو لحقهم فإذا أجازوا الوصية فقد تنازلوا عن حقهم.
وإذا لم يجيزوها، فلا يجوز أن تنفذ ؛ لأنها عمل على غير ما أمر النبي -- فهو مردود على من فعله.

وإذا نفذ عن طريق الحيلة – كالبيع والشراء للورثة – أو عن طريق القوانين الوضعية فالإثم على الموصي وعلى الموصى له أيضًا ؛ لتعديهما حدود الله تعالى.
وإذا كانت أحد الوالدين قد ارتكب إثمًا بوصيتها غير الجائزة، فلا نستطيع أن نجزم بأنها تعذب بعد موتها، فقد يكون لديها من الحسنات – من صلاة أو صدقة أو حج أو عمرة أو غير ذلك – ما يمحو أثر معصيتها، قال تعالى : (إن الحسنات يذهبن السيئات) (هود : 114)
وقد يكون نزل بها من المصائب ما يكفر الله به خطاياها، وقد يعفو الله تعالى عنها.
ولذلك قال الناظم :
ومن يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه.
فإن يثبه فبمحض الفضل وإن يعذب فبمحض العدل.
وعلى كل حال فإن الجور في الوصية معصية جديرة أن تعرض صاحبها – في حد ذاتها – لعذاب الله تعالى.

كيف يمكن معالجة الوصية التي تحرم وارث؟

يمكن للوارث الذي كتبت له الوصية وحرم أخاه من الميراث أن يتدارك الأمر، ويتنازل عما أوصي له به من أحد الوالدين ؛ لتقسم التركة كما فرضها الله سبحانه وتعالى في كتابه . وليستغفر الله تعالى لوالديه فيما أخطأوا في التعدي على حدود الله، أو أن يتنازل من حرم من الميراث عن حقه للموصى له بطيب نفس، وليستغفر الله تعالى لوالديه . والله غفور رحيم.

فإن تنازل أي طرف لوجه الله تعالى وبرا بوالديه سيعوضه الله عما تنازل عنه بطيب نفس، فمن ترك شيئا لله عوضه الله عنه.

نصيحة لكل أب لديه ولد عاق؟

نقول لكل أب إنه من الخير لك ولجميع أولادك أن تتذرع بالصبر الجميل، وأن تدعو لأولادك بالخير، ولا تدعو على أحد منهم فقد يصلحه الله ببركة دعائك، فيعود بارًا بك فتنتفع أنت ببره، وتقر عينك به،

ولتحذر أن تحرمه من الميراث حتى لا تتعرض لغضب الله، وأليم عقابه، فقد توعد الله من عصاه في أمر المواريث بأن له عذابًا مهينًا فقال تعالى: ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ).