يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
قتل الرحمة بأن يتدخل فيها الطبيب بإعطاء المريض دواء يعجل بموته هذا لا يجوز شرعا؛لأن فيه عملا إيجابيًا من الطبيب بقصد قتل المريض، والتعجيل بموته، بإعطائه تلك الجرعة العالية من الدواء المتسبب في الموت، فهو قتل على أي حال.
وليترك أمره إلى الله تعالى، فهو الذي وهب الحياة للإنسان وهو الذي يسلبها في أجلها المسمى عنده .فليس الطبيب أرحم بالله ممن خلقه.
اختلف العلماء: أيهما أفضل: التداوي أم الصبر؟
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-منهم من قال الصبر أفضل، لحديث ابن عباس في الصحيح عن الجارية التي كانت تصرع – يصيبها الصرع – وسألت النبي -ﷺ- أن يدعو لها، فقال: “إن أحببت أن تصبري ولك الجنة، وإن أحببت دعوت الله أن يشفيك” فقالت: بل اصبر، ولكنى أتكشف، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها ألا تتكشف. (متفق عليه. رواه البخاري في كتاب المرضى ومسلم في البر والصلة 2265) .
ولأن خلقًا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون، بل فيهم من اختار المرض، كأبي ابن كعب، وأبي ذر – رضي الله عنهما – ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي. (الفتاوى الكبرى لابن تيمية 4/260ط. مطبعة كردستان العلمية بالقاهرة) .
وقد عقد الإمام أبو حامد الغزالي في “كتاب التوكل” من “الإحياء” بابًا في الرد على من قال ترك التداوي أفضل بكل حال. (انظر: إحياء علوم الدين 4/290 وما بعدها ).
هذا هو رأي فقهاء الأمة في العلاج أو التداوي للمريض. فأكثرهم يجعلونه من قسم المباح، وأقلهم يجعلونه من المستحب، والأقل منهم يجعلونه واجبًا .
وأنا مع الذين يوجبونه في حالة ما إذا كان الألم شديدًا، والدواء ناجحًا، والشفاء مرجوًا منه وفق سنة الله تعالى .
وهو الموافق لهَدْي النبي -ﷺ- الذي تداوي وأمر أصحابه بالتداوي، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم في هديه -ﷺ- في “زاد المعاد” (انظر: الجزء الثالث من (زاد المعاد) طـ. الرسالة ببيروت). وأدنى ما يدل عليه ذلك هو السنية والاستحباب .
-ومن هنا يكون العلاج أو التداوي حيث يرجى للمريض الشفاء مستحبًا أو واجبًا، أما إذا لم يكن يرجى له الشفاء، وفق سنن الله في الأسباب والمسببات التي يعرفها أهلها وخبراؤها من أرباب الطب والاختصاص، فلا يقول أحد باستحباب ذلك فضلاً عن وجوبه .
-وإذا كان تعريض المريض للعلاج بأي صورة كانت – شربًا أو حقنًا أو تغذية بالجلوكوز ونحوه، أو توصيلاً بأجهزة التنفس والإنعاش الصناعي، أو غير ذلك مما وصل إليه الطب الحديث، ومما قد يصل إليه بعد – يطيل عليه مدة المرض، ويبقى عليه الآلام زمنا أطول، فمن باب أولى ألا يكون ذلك واجبًا ولا مستحبًا، بل لعل عكسه هو الواجب أو المستحب .
فهذا النوع من تيسير الموت – إن صحت التسمية – لا ينبغي أن يدخل في مسمى “قتل الرحمة”، لعدم وجود فعل إيجابي من قبل الطبيب، إنما هو ترك لأمر ليس بواجب ولا مندوب، حتى يكون مؤاخذًا على تركه .
وهو إذن أمر جائز ومشروع، إن لم يكن مطلوبًا، وللطبيب أن يمارسه، طلبًا لراحة المريض وراحة أهله. ولا حرج عليه إن شاء الله .
حكم تيسير الموت بإيقاف أجهزة الإنعاش؟
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: يقوم ذلك على إيقاف المنفسة الصناعية أو ما يسمونه “أجهزة الإنعاش الصناعي” عن المريض، الذي يعتبر في نظر الطب “ميتًا” أو “في حكم الميت” وذلك لتلف جذع الدماغ، أو المخ، الذي به يحيًا الإنسان ويحس ويشعر .
وإذا كان عمل الطبيب مجرد إيقاف أجهزة العلاج، فلا يخرج عن كونه تركًا للتداوي شأنه شأن الحالات الأخرى، الذي سماها “الطرق المنفعلة “.
-ومن أجل ذلك أرى إخراج هذه الحالة وأمثالها عن دائرة النوع الأول “تيسير الموت بالطرق الفعالة” وإدخالها في النوع الآخر .
-وبناء على ذلك يكون هذا أمرًا مشروعًا ولا حرج فيه أيضًا، وبخاصة أن هذه الأجهزة تبقى عليه هذه الحياة الظاهرية – المتمثلة في التنفس والدورة الدموية – وإن كان المريض ميتًا بالفعل، فهو لا يعي ولا يحس ولا يشعر. نظرًا لتلف مصدر ذلك كله وهو المخ .
وبقاء المريض على هذه الحالة يتكلف نفقات كثيرة دون طائل، ويحجز أجهزة يحتاج إليها غيره، ممن يجدي معه العلاج، وهو – وإن كان لا يحس – فإن أهله وذويه يظلون في قلق وألم ما دام على هذه الحالة، التي قد تطول إلى عشر سنوات أو أكثر !.
وقد ذكرت هذا الرأي منذ سنوات أمام جمع من الفقهاء والأطباء في أحد اجتماعات الندوة التي تقيمها بين الحين والحين “المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية” بالكويت، فلقي قبول الحاضرين من أهل الفقه وأهل الطب .
حكم الشرع في القتل الرحيم؟
-لا يجوز بأي حال من الأحوال قتل المريض الميؤوس من شفائه أو اتخاذ أي إجراء مباشر متعمد بهدف إنهاء حياته، فهذا القرار لا يجوز أن يتخذه الطبيب ولا أسرة المريض ولا المريض نفسه.
-وفي حال المريض الميؤوس من شفائه -مع قناعة الطبيب بعدم جدوى العلاج- يجوز عدم اتخاذ أي إجراء بل يترك ليأخذ المرض أدواره الطبيعية دون تدخل طبي، فمثلًا إن وجد الطبيب مريض سرطان لا يُرجى شفاؤه، وهو في مرحلة متأخرة جدًّا وأصيب بفشل كُلوي، والطبيب يعلم أن الغسيل الكُلوي لن ينفعه بل سيزيد من آلامه، فهنا لا يعمل له غسيل كُلوي -إجراء فعَّال- بشرط أن يؤيد ذلك أطباء متخصصون ثقات. كما يجوز عدم كتابة أي دواء لمريض في مرحلة متأخرة من المرض إن اعتقد الطبيب أن الدواء لن ينفعه.
-إذا توفي المريض دماغيًّا (بمعنى أنه ميت ولا يمكن عودته للحياة بإقرار الطبيب الأمين المتخصص) فيجوز أن يقرر الطبيب فصل المريض عن الأجهزة الطبية التي تجعل قلبه يتحرك؛ لأن الأجهزة لا تجعل المريض حيًّا، فهو ميت بشكل واقعي لكن الأجهزة تعطيه مجرد مظاهر للحياة وليست حقيقة الحياة، وهذا الإجراء ليس قتلًا أساسًا.
-كما أنه وفقًا للشريعة الإسلامية يحق للمريض سواء كان ميؤوسًا من شفائه أو غير ميؤوس من شفائه- التوقف عن استخدام الأدوية إذا اقتنع أنه لن ينتفع، فالتداوي في الإسلام من المباحات يصبح واجبًا إن غلب الظن أن العلاج والدواء ينفع ويفيد، ولا يصبح واجبًا إن اعتقد المريض أو الطبيب أنه لا ينفع[5].
-وما دام من حق المريض الامتناع عن تناول الدواء والعلاج، فلماذا أصلًا سيطلب من الطبيب أن يساعده على الموت ولديه خيار بأن يمكث في منزله ولا يتناول الدواء؟
-لكن إن كان المريض يبحث عن علاج عند الطبيب فليس من حقه كمريض ولا من حق الطبيب مساعدته على إنهاء حياته.
هل فكرة القتل الرحيم صحيحة؟
إن فكرة القتل الرحيم هي فكرة قبيحة وسيئة؛ وذلك للأسباب التالية:
1- الحياة مقدسة ولا يجوز المساس بها، والشريعة الإسلامية جاءت ولها مقاصد أو أهداف كبرى رئيسية خمسة؛ وهي (حفظ النفس، والمال، والعرض، والعقل، والدين).
2- حياة الإنسان ليست ملكا له ليقرر الحفاظ عليها أو إنهاءها، إلا في حالة الدفاع عن النفس، أو الدفاع عن الآخرين فقط. قال رسول الله ﷺ قال: “لا ضَرَرَ وَلا ضِرَار”، فليس من حق الإنسان أن يحكم على روحه بالإعدام بسبب الألم أو المرض أو أي سبب آخر.
3- نحن في دار اختبار وابتلاء وهي الدنيا، وليس من حق الإنسان اختيار متى ينهي اختباره، فالله تعالى قرر أن يختبر بعض الناس بالفقر، وبعضهم الآخر بالمرض، وغيرهم بالحرمان من نعمة معينة، وغير ذلك من الاختبارات، والله وحده يقرر مادة الاختبار، وكيفيتها، ونوعيتها، ومدتها لكل إنسان.
وفي الحديث عن جندب بن عبدالله قال: قال رسول الله ﷺ: “كان فيمن قبلَكم رجلٌ به جُرْحٌ فجزِعَ . فأخذ سِكِّينًا فحزَّ بها يدَهُ، فما رقَأَ الدمُ حتى مات، فقال اللهُ : بادََرَني عبدِي بنفْسِهِ، فحرَّمْتُ عليه الجنةَ”البخاري،الطبراني،البيهقي.
4- الموت ليس حلا للتخلص من المعاناة، المعاناة الحقيقية أو النعيم الحقيقي يبدأ بعد الموت، فمَنْ لقي الله وهو راض عنه فهو منعم بعد الموت وإلى الأبد، ومن لقي ربَّه وهو منتحر طالب للقتل الرحيم فهو في العذاب والألم والمعاناة إلى الأبد، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: “من قتَلَ نفسَهُ بحديدةٍ جاءَ يومَ القيامَةِ وحديدتُهُ في يدِه يتوجَّأُ بِها في بطنِهِ في نارِ جَهنَّمَ خَالدًا مخلَّدًا أبدًا ، ومن قَتلَ نفسَه بسُمٍّ فَسمُّهُ في يدِه يتحسَّاهُ في نارِ جَهنَّمَ خالدًا مخلَّدًا”البخاري،مسلم،الترمذي،النسائي،أحمد.
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]
5- المريض لن يرحم نفسه أكثر من الله، وكذلك الطبيب وأقارب المريض لن يرحموه ويحبوه أكثر من الله، الله أرحم بعباده؛ لأنه هو خالقهم من العدم، فعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: “إنَّ اللَّهَ خلقَ الرَّحمةَ يومَ خلقَها مائةَ رحمةٍ أنزلَ منْها رحمةً واحدةً…..”.
وفي حديث آخر أن النبي ﷺ رأى امرأةً من السبي إذا رأتْ ولدًا ألصقتْه ببطنِها ، فقال : “أترون هذه واضعةً ولدَها في النارِ ؟ قالوا : لا يا رسولَ اللهِ ، قال : للهُ أرحمُ بعبادِه من هذه بولدِها”.
6- القتل الرحيم يقتل الوازع الأخلاقي في البشرية، فلو أن الروح تقاس بكمية الوقت والمال والجهد المبذول من أجلها. وستصبح هذه الثلاثية المادية أهم من الروح ذاتها.
إن المعاناة جزء أساسي في الحياة بل إن الإنسان يستحيل أن يعيش بدون معاناة؛ لأنه في دار المعاناة والاختبار والابتلاء؛ بل إن شرعنة القتل الرحيم ستولد أجيالًا ضعفاء عاجزين عن الصبر ومستسلمين، ومجتمع بهذه الصفات هو مجتمع سقيم آيل للسقوط.
7- إن تشريع القتل الرحيم يشجع المجتمع على الكسل والإهمال وتراجع خدمات الرعاية الطبية، وهذا التشريع سيجعل الأبحاث العلمية قليلة جدا لانعدام الدافع للحفاظ على حياة المرضى الميؤوس من شفائهم، فما دام هناك حل مريح ورخيص وهو إعطاء الإنسان الحق في إبرة الموت، فما هو الدافع لاستمرار الأبحاث العلمية لإيجاد علاج للأمراض المستعصية كما يقال؟!
وما الداعي لبذل جهود الرعاية الصحية في رعاية المحتضرين وتخفيف معاناتهم والبحث عن علاج لحالاتهم؟!
وما الداعي لرعاية كبار السن والمجانين ومرضى الزهايمر والسرطان وغيرهم ما دام يوجد حل أسهل؟!
وأيضًا هل سيثق المجتمع بالأطباء والمراكز الصحية، بعد أن يتحولوا إلى قتلة، أم سيفضل الناس إبقاء أحبائهم في البيوت خوفًا من أن يقنعهم الآخرون بالموت؟!