ذهب بعض العلماء والحكماء إلى أن معرفة الله سبحانه وتعالى فطرية في البشر لا حاجة بهم إلى إقامة الدليل عليها ، وذهب بعضهم إلى أن المسألة نظرية ، وأنه لا بد من إقامة البراهين على إثبات وجود البارئ سبحانه وتعالى ؛ لأن الأنبياء والحكماء قد استدلوا وأقاموا الحجج على ذلك ، والحق أن المسألة فطرية في الحقيقة ، وأن إقامة الأنبياء والحكماء الحجج عليها هي لإصلاح فطرة من عرضت لهم الشبه فيها .
يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله- :
-إن الناس قد اشتبهوا في المشاهدات وغيرها من المحسوسات ، وأنكر السوفسطائية منهم حقائق الأشياء ، وطفقوا يشككون الناس في ذلك قائلين : كيف نثق بما نراه ، وقد ظهر لنا الغلط في بعضه ، ويجوز على بعض المتساويين ما جاز على الآخر ، مثلاً إننا نرى العود مستقيمًا خارج الماء ونراه معوجًّا في الماء ، ونرى النجم صغيرًا وكلنا يعلم أنه كبير ، ويذوق من يسمونه الصفراوي العسل مرًّا ويذوقه غيره حلوًا ، ويرى المحموم أو النائم أمامه أشياء كثيرة يقول من في حضرته : إنها لا وجود لها ، فأمثال هؤلاء إذا كانوا يشكون أو يشككون في وجود الله تعالى لا ينفع معهم دليل ولا برهان.
-وأما طالب الحقيقة فهو الذي لا يشتبه في الحق إلا لعارض يصرفه عن الدليل ؛ فإذا نبه إليه تنبه ورجع ، ومن الناس من يسهل تنبيهم وهم أصحاب الأفكار المستقلة ، ومنهم من يتعذر أو يتعسر تنبيهه على حسب بعده من التقليد وقربه من استقلال الفكر ، وفي المشتغلين بالعلم والفلسفة من المقلدين نحو ما في المشتغلين بعلم الدين فإن أحدهم يسمع أو يقرأ أن فلانًا الفيلسوف ، الذي يعجب به قال : إنه لم يثبت عندي دليل على وجود الله تعالى , فيقول هذا المقلد له : لو كان هناك دليل قطعي لما خفي على ذلك الفيلسوف ، ويكلف نفسه بأن تشك ، وترتاب أو تنكر وتفند كل دليل من هذا القبيل.
هل معرفة الله تحتاج إلى دليل؟
يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله- :
-ذهب بعض العلماء والحكماء إلى أن معرفة الله تعالى فطرية في البشر لا حاجة بهم إلى إقامة الدليل عليها، لولا ما أحدثته الاصطلاحات العلمية من البحث في الضروريات والبديهيات، كعلم الإنسان وشعوره ووجدانه ، واستدلوا على ذلك بأن جميع أصناف البشر من أرقاهم كالأنبياء والحكماء إلى أدناهم كالقبائل الضاربين في معامي الأرض وأغفالها، كلهم يعتقدون بقوة غيبية وراء الطبيعة، سواء منهم من تعلم شيئًا من صفات ذي القوة , وما يجب له من العبادة ومن لم يتعلم ، وبأن المعطلين نفر قليل يعدون من الشواذ ، ويحال شذوذهم على مرض عرض على هذا الشعور الفطري كما يعرض للإحساس بالحلاوة مرض يمنع من إدراكها ،
-وكما يعرض لبعض مراكز المخ شيء يحول دون إدراك بعض المعلومات مع سلامة سائر المدارك ، فقد ثبت أن بعض الناس نسي بعض أرقام الحساب ، فكان لا يحسن عملية حسابية هي فيها ، ويحسن غيرها ، ومثل هذا كثير فلا يقال : إن من المعطلين من لا يشك أحد بسلامة عقولهم , فإن من الناس من يضعف إدراكه لشيء واحد وإن كان قويًّا في غيره ، ولم يعرف أحد قويت مداركه في كل فرع من أنواع الإدراك.
-وذهب بعضهم إلى أن المسألة نظرية، وأنه لا بد من إقامة البراهين على إثبات وجود البارئ تعالى ؛ لأن الأنبياء والحكماء قد استدلوا وأقاموا الحجج على ذلك.
ونقول جمعًا بين القولين :إن المسألة فطرية في الحقيقة ، وإن إقامة الأنبياء والحكماء الحجج عليها هي لإصلاح فطرة من عرضت لهم الشبه فيها ، كما تعرض في غيرها من الأمور الفطرية والضرورية ، ولإزالة غلط المعتقدين بتلك القوة الغيبية ، أو بالله تعالى في بعض صفاته ، وفي نسبة المخلوقات إليه ؛ إذ أشركوا به وجعلوا له وسطاء وشفعاء كالملوك الظالمين ؛ لذلك قال الله تعالى : [ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ] إبراهيم : 10 ، فأشار أولاً إلى أن الإيمان به أمر ثابت في الفطرة لا موضع للشك فيه ، ثم ذكر بعض صنعه الدال على قدرته ، وانفراده بالتأثير ، والتدبير وهو كونه فطر السموات والأرض ؛ أي : شق وفصل بعضها من بعض بعد أن كان الجميع مادة واحدة… إلخ ما جاء في الآية.
أقرب الدلائل على وجود الله؟
يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله- :
وإنني وجدت أقرب الدلائل تنبيهًا ، وإقناعا لعقول المشتغلين بالعلوم العصرية كما ثبت لي بالتجربة والمناظرات معهم هو أن جميع ما نعرفه من الموجودات حادث عندهم ، حتى إنهم ليقدرون للأرض والشمس والكواكب أعمارًا لقطعهم بحدوثها ، ثم إنهم قاطعون بأن الموجود لا يصدر عن نفسه ، ولا عن معدوم كما قال تعالى : [ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ]( الطور : 35 ).
فتعين أن يكون لهذه الموجودات كلها مصدر وجودي ، ثم إنهم قاطعون بأن مصدر الكائنات والأصل الذي وجدت منه غير معروف في ذاته , وإنما يجب أن يكون موجودًا ذا قوة ، فالمادي منهم يقول : المادة مع القوة هي أصل الموجودات كلها ؛ فإذا سألته : ما هي المادة التي تعنيها ؟ يقول : إن حقيقتها غير معروفة , فكأنه اختلف مع غيره في التسمية ، واتفق الجميع على أن هذه الكائنات كلها قد صدرت عن موجود ذي قوة حقيقية غير معروفة الكنه , وهو ما عليه المسلمون ؛ ولذلك قلنا في المنار : إن الفلاسفة الأوربين الذين أنكروا إلههم ما أنكروا إلا إله الكنيسة ؛ أي : الإله الذي تصفه الكنيسة بصفات غير معقولة ككونه مركبًا من ثلاثة أقانيم وكون أحدها حل في أحشاء امرأة فأولدها إلهًا كاملاً ، وإنسانًا كاملاً إلى غير ذلك من الصفات التي لا يقبلها عقل ، هذا الاعتقاد هو الذي صرح به سسل رود الذي قالوا : إنه كان غير مؤمن بالله ، وهو الذي كان يعتقده هكسلي وسبنسر وغيرهم من الفلاسفة الذين نقل عنهم التعطيل ، [ وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ].انتهى
الأدلة العقلية على وجود الله تعالى؟
الأدلة العقلية التي تثبت وجود الله تعالى كثيرة منها:
الدليل الأول: التصميم الحكيم:
العقل السليم لا يقبل أن يوجد هذا الخلق المعقد والشديد الاتقان بلا هدف ولا حكمة.. وقد قال الله تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾المؤمنون115.
بينما يزعم أكثر الملاحدة أن الطبيعة والصدفة هما سبب وجود جميع المخلوقات، بما فيها من أنظمة شديدة التعقيد، وأنه لا هدف ولا حكمة من وراء ذلك كله!
لو طلبنا من شخص متخصص أن يصنع لنا كمبيوترا عملاقا، سيستغرق منه التصميم (فقط) مدة من الزمن!.. عندها سندرك أنه من المستحيل أن يوجد مثل هذا الجهاز المعقد صدفة بلا مصمم ولا موجد.
فكيف بأجسادنا وما فيها من مئات وألوف الأجهزة والأنظمة الدقيقة، التي تفوق في تعقيدها أعظم أجهزة الكميوتر.
قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾الذاريات21.
من يقبل أن تكون الصدفة هي من أوجدت أي من الآلات المعقدة كالطائرات والسّيارات والقطارات والسفن والحواسيب، ونحوها، لاعتقاده أنها لا بد أن تكون من صنع عاقل مبدع حكيم..
الدليل الثاني: الخلق والإيجاد..
كل من يرى تمثالا صنع بطريقة متقنة، يوقن يقينا لا شك فيه، أن لهذا التمثال صانعا ماهرا صنعه واتقنه، فإذا كان هذا التمثال الجامد، الخالي من الحياة والعقل والحركة، يعطي هذا الانطباع العقلي، فكيف بالكائن الحي العاقل المتكلم المتحرك.. قال تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴾الطور35..
فكل شيء وجد بعد أن لم يكن موجودا، فإنه لا بد له من سبب أدى لوجوده.. وكل حادث حدث فلا بد له من محدث أحدثه.. فالكتاب لابد له من كاتب، والبيت لا بد له من بان، والأعرابي في صحراءه يقول: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج، وأرض ذات فجاج، ألا يدلان على اللطيف الخبير..
وعند التأمل فإن الكون عبارة عن أجزاء مترابطة، فالشمس مفتقرة لذراتها ومفتقرة لغيرها من الأفلاك في مجموعتها ومجرتها، ومفتقرة لقانون الجاذبية، وهكذا سائر الكواكب والأفلاك، والإنسان أيضا مفتقر للماء والطعام، فإذا كانت كل أجزاء الكون مفتقرة لغيرها فهذا دليل حدوثها، وإذا كان الكون كله عبارة عن أجزاء محدثة، فالكون كله محدث..
الدليل الثالث: الإثبات مقدم على النفي..
هذه قاعدة منطقية مضطردة: فإذا لم يكن في الأمر إلا خبران، أحدهما يثبت وقوع أمر ما، والآخر ينفيه، فإن المنطق أن يقدم الـمثبت على النافي، لأن معه زيادة علم، ولأن من علم حجة على من لم يعلم..
فعلى سبيل المثال: لدينا خبران، أحدهما يقول: جاء محمد، والآخر يقول: محمد لم يأت.. فالقاعدة المنطقية تقول: يقدم الـمثبت على النافي لأن معه زيادة علم، ولأن من علم حجة على من لم يعلم.. فعلى فرض صحة الخبرين، فالخبر الذي يثبت مجيء محمد لديه علم بالمجيء، فالمجيء مؤكد، وأما الذي ينفي المجيء فهو ينفي علمه بالمجيء ولا يستطيع أن ينفي المجيء نفسه، فربما جاء محمد وهو لا يعلم.. كيف والخبر الأول يؤكد ذلك..
فليست عدم رؤية الله سبحانه وتعالى دليل على عدم وجوده.
لو أخذنا مثالا آخر : أحمد ولد أعمى وسعيد يرى فلو أن أحمد طلب من سعيد أن يعطيه ملابسه التي في الخزانة حتى يلبس، فسأله سعيد هل تريد البنطال البني أم الاسود، فقال أحمد لا اعلم ما هو البني وما هو الأسود، ولا يستطيع سعيد أن يفسر لأحمد ما هو معنى اللون البني والأسود، ولا يستطيع حتى وصفهما مع رؤيته لها، فهل إنكار أحمد لوجود الألوان يعني أنها غير موجودة لمجرد عدم رؤيته.
الخلق والكون والحيوان والنبات وكل شيء بديع يدل على وجود خالق أوجدها، فهل إنكار البعض لوجود الخالق يثبت عدم وجوده، لا.
الدليل الرابع: التسخِير..
التسخير يعني إيجاد الأشياء وتهيئتها لمصلحة الإنسانِ أو الحيوان أو النبات دون حول منه ولا قوة.. ومعلوم أن الإنسان والحيوان والنبات خلقوا محتاجين لأشياء كثيرة.. كالماء، والهواء، والغذاء، والدواء، والضوء، والحرارة، وغير ذلك من الضروريات.. فإذا تأملنا، وجدنا أن جميع هذه الاحتياجات مسخرة لهم في بيئتهم التي يعيشون فيها، وبالقدر الكافي لاستمرار حياتهم، بل وحياة نسلهم من بعدهم.. فإذا تأملنا فسنرى عالما كاملا من المسخرات، قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون ﴾الجاثية13..
وإن توفير كل تلك الاحتياجات الدقيقة بكل دقة وإحكام، لا يمكن أن يكون صدفة، بل هو من آثار علم العليم، وتقدير المدبر الحكيم، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِير ﴾لقمان20..
الدليل الخامس: العلم لا يأتي ممن لا يعلم..
إذا كان بإمكان جهاز الحاسب الآلي أن يطبع مقالا علميا، فإن جميع العقلاء يتفقون أنه ليس هو من أنتج ذلك المقال العلمي، وأن هناك شخصا عاقلا ذو علم استخدم الحاسب لكتابة المقال وطباعته..
فإذا كان العلم لا يمكن أن يأتي ممن لا يعلم، والتصرفات العقلانية لا يمكن أن تأتي من غير العاقل.. فإن الصدفة والطبيعة لا يمكنها ذلك، لأنها تفتقر للعقل، وللعلم، وللحكمة، وللقدرة على التمييز بين الأشياء، وبالتالي فلا يمكن أن نقول بأنها هي التي أوجدت القوانين الطبيعية، لأن تلك القوانين أشد تعقيدا من ذلك المقال ، ولا يمكن أن يوجدها إلا خالق عليم، مبدع حكيم..
وإذا كان جميع العقلاء يقرون أن الكتاب لا يكتبه إلا كاتب متخصص، والعملية الجراحية لا يجريها إلا جراح متخصص، والجهاز الدقيق لا يصممه إلا مهندس متخصص، فإن كل من يتأمل بإنصاف وتجرد ثبات قوانين الفيزياء في حركة الكواكب والنجوم، ويتأمل انضباط قوانين الكيمياء في تركيب العناصر وتفاعلاتها، ويتأمل دقة علم الأحياء في تكوين الخلية وتناسق وظائفها، ويتأمل في الكون من حوله وما فيه من علوم هائلة، وروعة مذهلة، ودقة متناهية، ونظم محكمة، وسنن ثابتة..
فإنه سيجزم يقينا أن كل هذا يستحيل أن يوجد من غير خالق حكيم، أو أنه نتاج صدفة لا تعقل ولا تدرك.. كلا بل هو ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾النمل88، القائل عن نفسه سبحانه وتعالى: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِين ﴾لقمان11..