المرتد عن الدين، لا حق له في أن يرث شيئًا من تركة أبيه أو أمه أو زوجته أو غيرهم من أقاربه المسلمين، لأن شرط التوارث اتحاد الدين، كما بينت ذلك سنة النبي حيث قال:”لا يرِثُ المُسلِمُ الكافرَ ولا الكافرُ المُسلِمَ”البخاري،المسلم.

بل إن هذا ما أشار إليه القرآن نفسه حين قص علينا قصة نوح وابنه الكافر وقال نوح: (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )هود46،فقطع الصلة ما بين الولد وأبيه، ولم يعتبره من أهله، فقد فرق بينهما الإيمان والكفر.

ميراث المسلم من الكافر؟

خالف بعض الفقهاء في ميراث المسلم من الكافر، فجعل للمسلم أن يرث قريبه الكافر، دون العكس، لأن ” الإسلامُ يعلُو، ولَا يُعْلَى“، كما جاء في حديث عن النبي (رواه أبو داود والحاكم وصححه) واستدلوا أيضًا بأن الإمام عليًا رضي الله عنه، لما قتل المسور العجلي حين ارتد، جعل ميراثه لورثته المسلمين.

وقصر ذلك بعض الفقهاء على المرتد، فإن ورثته المسلمين يرثونه، كما هو مذهب أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، أما أبو حنيفة، فمذهبه أن ما كسبه قبل الردة فلورثته المسلمين، وما كسبه بعد الردة، فلبيت المال.

-أما أن يرث المرتد من أقاربه المسلمين، فلم يقل بذلك أحد من العلماء، لأنه في نظر الإسلام في حكم الميت، ودمه مهدر، فكيف يرث غيره من المسلمين؟ وكيف يمكن من أخذ مال أهل الإسلام ليطعن به الإسلام؟.

وبهذا يتبين أن المرتد المصر، لا يرث من أبيه ولا أمه ولا جده ولا أي قريب له مسلم بالإجماع، لأنه مرتد عن الإسلام بلا نزاع، لأنه لم يعد يؤمن بألوهية ولا رسالة ولا كتاب ولا آخرة فقد قال تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)النساء136.

هل الأب مسؤول عن ضلال ابنه فكريا؟

تحديد مدى مسئولية الأب عن ضلال ابنه فكريًا، أو انحرافه سلوكيًا، يختلف من أب إلى آخر.
فإذا كان الأب قصر في تربية ابنه في الصغر، ولم يعطه حقه من الرعاية واليقظة، وحسن الإشراف، ودوام المراقبة، والنصح بالحكمة والموعظة الحسنة، والتأديب بالرفق في موضع الرفق، وبالشدة عند موجب الشدة، وتهيئة البيئة المعينة له على الخير، وإبعاده عن الجو المساعد على الشر . .

إذا قصر الأب في هذه الجوانب وأمثالها، وظن أن كل ما عليه لابنه إنما هو النفقة والكسوة، ورعاية الناحية المادية في حياته فقط، دون أن يهتم بما يدور في رأسه من أفكار وفي قلبه من هواجس.

فلا بد أن يتحمل قدرًا من المسئولية عن تفريطه في الصغر، وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة)، وقال الرسول : ” كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته . . . والرجل في أهل بيته راع، وهو مسئول عن رعيته“. (متفق عليه من حديث ابن عمر)

وعلى قدر إهماله وتقصيره تكون مسئوليته، إلا إذا تدارك ذلك بتوبة نصوح .

وإذا كان الأب قائمًا بكل ما ذكرنا نحو أولاده من الرعاية المادية والعقلية والنفسية – على قدر طاقته، وفي حدود وسعه – وكان حريصًا على تربية أولاده تربية سليمة يرضى عنها الله ورسوله، ولكن الابن خرج من يده، وتمرد عليه واتبع الهوى، وركبه الغرور، وغره بالله الغرور، فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهذا بذل ما في وسعه، ولا يعاقب الإنسان إلا على ما فرط فيه، فهذا عدل الله ولا يظلم ربك أحدًا.

وقد قص الله سبحانه وتعالى علينا قصة الأب المؤمن والابن الكافر كما في قصة نوح وابنه، كما حكى لنا قصة الابن المؤمن والأب الكافر كما في قصة إبراهيم وأبيه آزر، وقص علينا قصة الزوج المؤمن والزوجة الكافرة كما في امرأة نوح وامرأة لوط، وبالعكس كما في امرأة فرعون.
والمهتدي من هؤلاء ليس معاقبًا قطعًا على ضلال من ضل من ابن أو أب أو زوجة أو زوج. وقد قال الله تعالى: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ). (القصص: 56)