الإسلام دين عالمي ، نزل للعالمين كافة ، ولم يفرق بين عربي وأعجمي ، إلا على أساس التقوى والقرب من الله تعالى ، ولم يجعل لقوم فضلا على غيرهم لشكلهم أو لونهم ، فليس في الإسلام فضل لأحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح . ولم يجعل الإسلام هذه المبادئ على المستوى النظري فقط بل جعلها مثالا عمليا يظهر في عدم التمييز في الصلاة ولا في الصوم ولا الحج ولا الزكاة ولا الحدود والجنايات .

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:

لا يوجد دينٌ كالإسلام في عالميته، فهو دينٌ عالمي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، وأول ما يقرأ الإنسان في كتاب الله من سورة الفاتحة بعد البسملة (الحمد لله رب العالمين) ، لم يقل رب المسلمين، ولا رب المؤمنين، ولا رب العرب، ولا رب الشرقيين، ولكنه رب العالمين، كل العالمين. وآخر سورة يقرأها المسلم في القرآن قوله تعالى:(قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس) وبين أول المصحف وآخره تنتشر آيات كثيرة تتحدث عن عالمية هذا الدين قال تعالى:(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وقال تعالى:(تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا).

والقرآن أول كتاب ينادي الناس –كل الناس- بخطاب مباشر من الله تعالى، يقول تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)، ويقول تعالى:( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام).
وأنا أحسب أن كلمة (الأرحام) هنا لا تشير إلى الأرحام الخاصة، الأخ والعم والقريب، ولكن الأرحام الإنسانية العامة، هو يتحدث (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) -هي نفس آدم- (وخلق منها زوجها) -حواء- (وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً). تكرر هذا النداء في القرآن الكريم .
وفي سورة الحجرات يقول تعالى:(يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، ( إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى..) الخالق واحد (إنا خلقناكم) والمادة.. المخلوق منها الجميع واحدة (من ذكر وأنثى)، و قال: (لتعارفوا) أي يُعرف إن هذا عربي، وهذا عجمي، وهذا إفريقي، وهذا آسيوي، وهذا مصري، وهذا سوري (لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

قالها النبي –عليه الصلاة والسلام- في حجة الوداع وأمام مائة ألف من أصحابه، جاءوا من قبائل العرب قال: “أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجميٍ على عربيٍ، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وقوله (عند الله أتقاكم) معناها عند الله في الآخرة، أي لا يأتي أحد ويقول: أنا أفضل منك لأني تقي، وأنت غير تقي، فالتقي لا يقول عن نفسه إنه تقي، فأفضلية التقوى عند الله، الناس يتفاضلون في هذه الدنيا بالعلم والعمل وإتقان العمل، أما من حيث العنصر والعرق والجنس فلا يفضل لون على لون و لا عرق على عرق ما دام الجميع يكونون أسرة مشتركة، ربهم واحد وأبوهم واحد، يعني يشتركون في العبودية لله والبنوة لآدم، ولذلك انتشر في القرآن هذا النداء (يا بني آدم..) و هو خطاب لكل الناس، (يا بني آدم) فما دام الأب واحد والرب واحد فلماذا يتميز بعضنا عن بعض؟! الله –سبحانه وتعالى- اعتبر اختلاف الألسن والألوان آيةً من آياته، قال تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآياتٍ للعالمين).

فلم يعتبر الإسلام هذه المفارقات بين الناس إطلاقاً، المفارقات اللونية، المفارقات العرقية، المفارقات الإقليمية، المفارقات اللسانية أو اللغوية، المفارقات الطبقية، ألغاها كلها، قال تعالى:(فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون).

كان علي زين العابدين بن الحسين –المعروف بالسجاد- كان سجاداً عباداً لله تبارك وتعالى كان يطوف بالكعبة ويبكي و.. فرآه الأصمعي، وقال له: فيم هذا البكاء كله وأنت من أهل البيت الذين قال الله فيهم: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال له: يا أصمعي، إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفاً قرشياً، أما قرأت قول الله تعالى: (فإذا نفح في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) ولذلك جمع النبي –عليه الصلاة والسلام- أقاربه من بني هاشم، وقال: “يا بني هاشم، اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب، -عم رسول الله- اعمل فإني لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية بنت عبد المطلب –عمة الرسول- اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد، اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً. يا بني هاشم، لا يأتيني الناس يوم القيامة بالأعمال، وتأتوني بالأنساب، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

التقوى الحقيقة لا يعلمها إلا الله، والنبي –عليه الصلاة والسلام- أشار إلى صدره وقال: “التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا”، يعني أساسها خشية الله عز وجل. والقرآن يقول: (فإنها من تقوى القلوب)، وقال: “إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم”. فأساس التقوى في القلب، ولكن هناك مظاهر للتقوى، هناك أشياء نحاسب الناس عليها، وهي: أداء الفرائض، واجتناب المحرمات، وإعطاء الحقوق إلى أهلها، وإتقان العمل، وهذه الأشياء، بهذا يتفاضل الناس بعضهم مع بعض، فعلى هذا فإن مظاهر التقوى العملية الظاهرة للناس هي التي نتعامل بها، إنما التقوى الحقيقية متروكة لله عز وجل ولكن أنا أريد أن أؤكد على شيء بالنسبة لقضية المساواة، قد يقرر المساواة باعتبارها مبدأ نظرياً، ولكن في الحياة لا يطبق، كثير من الأشياء النظرية ، ولكن الإسلام حينما قرر المساواة لم يجعلها مجرد مبدأ نظري، لا. بل أصبح مطبقاً في الحياة.

فمثلاً العبادات في الإسلام هي تطبيق عملي، الصلاة تطبق فيها المساواة في الجماعة، لا يوجد في الجماعة إن الصف الأول مثلاً للوزراء، والصف الثاني لوكلاء الوزارات، والصف الثالث لكذا، أو الصف الأول لقبيلة كذا لقريش مثلا والذي بعده لمن دون قريش أو بني هاشم لهم كذا .. لا يوجد مثل هذا ، من وصل إلى المسجد قبل غيره كان أحق بالصف الأول، فهذه هي المساواة ولذلك تجد الأمير وبجانبه الخفير، وأستاذ الجامعة وبجانبه الفراش، وهذا هي المساواة، وأكثر من هذا في الحج، يعني يمكن في الصلاة يظل الناس يتفاوتون أنا ألبس جبة وأنت تلبس بذلة، والثاني يلبس عمامة، وهذا يلبس طربوشا، فيأتي الحج لكي يلغي هذه الفوارق العرفية والإقليمية والطبقية وهذه الأشياء، ويفرض على الجميع لباساً واحداً أشبه ما يكون بأكفان الموتى، يتساوى الجميع في.. في حالة الإحرام. في تطبيق المساواة، والصيام مفروض على الجميع، والزكاة على كل من ملك النصاب، العقوبات تطبق على الجميع، و في الحديث الصحيح حينما سرقت امرأة من بني مخزوم –وبني مخزوم يعني من ذؤابة قريش- فكان لابد أن يقام عليها الحد، لثبوت السرقة عليها ، فأراد تطبيق الحد .. فعز ذلك على قريش، امرأة مخزومية تقطع في سرقة، فقالوا: من يكلم النبي –- لا يجرؤ أحد أن يكلم النبي –- قالوا: أسامة بن زيد هو حب رسول الله وابن حبه، فكلموا أسامة، فجاء يشفع لهذه المرأة، فغضب النبي ، وقال له: “أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها”.

فهذه هي المساواة التي طبقها الإسلام في كل نواحي الحياة، ولم يبال باختلاف الألوان، يعني كان بلال بن رباح وهو حبشي أسود اللون يتقدم على الكثير من الصحابة، حتى على خالد بن الوليد. وسيدنا عمر يقول كلمته الشهيرة: “أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا”.
يقصد.. أعتق سيدنا، أعتق بلالا ، عمر بن الخطاب يقول عن بلال سيدنا، ونحن إلى الآن نقول: “سيدنا بلال رضي الله عنه. فهذا.. والإسلام لم ينظر إلى اختلاف الأجناس والألوان، وكان العرب عندهم في الجاهلية هذه النظرة، ولكن الإسلام جاء وأدبهم من جديد، حتى أن النبي –- قال: “لينتهين أقوامٌ يفتخرون بآباءٍ لهم ماتوا في الجاهلية، إنما هم فحم جهنم، أو ليجعلنهم الله أهون من الجعل” ، “إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية” كبرياء الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هما فاجر شقي أو برٌ تقي ، الناس لآدم وآدم خلق من تراب.. “. فنهاهم بهذه الشدة عن الفخر بالآباء إن أبي فلان وأبوك فلان.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع.

الفخر بالآباء.. لا يجوز ، من أراد أن يفخر فليفخر بعمله، وبإيمانه، وبإتقانه، وبخدمته لمجتمعه لا بآبائه الذين ماتوا وربما كانوا فحم جنهم كما جاء في الحديث.