الفقهاء يرون أنَّ للموت علاماتٍ يعرف بها ، منها توقف القلب عن العمل، وانقطاع التنفس، واسترخاء الأطراف والأعصاب، وسكون الحركة في البدن، وتغير لون البدن، وشخوص البصر، وعدم انقباض العين عند المسّ ، وانخساف الصدغ، وميل الأنف، وانفراج الشفتين، وامتداد جلدة الوجه، وانعدام النبض … ، وهذه العلامات لا تتحقق في من مات دماغهم ، لأن الوقائع تثبت ـ كما سنرى ـ أن أجسادهم تدب فيها الحياة ، من حيث استمرار عمل بعض الأجهزة كالقلب والكليتين وغيرهما.
ولذلك فإنَّ الراجح ـ أو المؤكَّد ـ عدم موت هؤلاء الذين أصيبوا بموت الدماغ ( الموت الإكلينيكي ).
ما هو الموت وما هي دلالاته:
يقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس ، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر :
عرَّف الفقهاء الموت بأنه: صفة وجودية خُلقَت ضدًّا للحياة، يزول بها قوة الإحساس والنماء والتعقل. أو هو: مفارقة الروح للجسد. وحقيقة هذه المفارقة خلوصُ الأعضاء كلها عن الروح بحيث لا يبقى من أجهزة البدن فيه صفة حياتية.
فالموت وَفْقًا لهذا المعنى: هو همود حركات الجسم، وتوقف أعضائه عن النمو، وقابليته للتعفن والتحلل، لذهاب الروح منه.
فالموت نقيض الحياة، ولهذا فإنهما لا يجتمعان في بدن واحد، ولا يرتفعان عنه في نفس الوقت، وقد دلت على هذا نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: (قل اللهُ يُحييكم ثم يُميتكم) وقوله سبحانه: (كيف تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يُميتكم ثم يُحييكم).
وإذا كان الموت هو مفارقةَ الروح للجسد فإن هذه المفارقة لا تُدرَك بالحسّ؛ لأن الروح عَرَضٌ، وهو لا يُدرَك بالحواسّ، إلا أن لمفارقتها البدنَ بالموت علاماتٍ استدل الفقهاء بها على موت من ظهَرَت عليه، منها توقف القلب عن العمل، وانقطاع التنفس، واسترخاء الأطراف والأعصاب، وسكون الحركة في البدن، وتغير لون البدن، وشخوص البصر، وعدم انقباض العين عند المسّ، وانخساف الصدغ، وميل الأنف، وانفراج الشفتين، وامتداد جلدة الوجه، وانعدام النبض، وغيبوبة سواد العين في البالغين، واسترخاء القدمين وعدم انتصابهما، وتقلص الخصيتين إلى أعلى في الذكَر مع تدلِّي الجلدة، وبرودة البدن.
وليست هذه العلاماتُ دالةً بيقين على حدوث الموت عند الفقهاء، بل قد تظهر مثل هذه العلامات ولا يُقطَع بموت من ظهَرَت عليه، لخطأ في التشخيص أو نحو ذلك، ولهذا قال النووي: “فإن شكّ بألاّ يكون به علة، واحتمل أن يكون به سكتة، أو ظهرت أمارات فزع أو غيره أخّر إلى اليقين بتغيِّر الرائحة أو غيره”.
وأما العلامات التي يستدل بها الأطباء على حدوث الموت فإنها لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يستدل بها الفقهاء عليه، فمن علاماته عندهم توقف القلب والتنفس والدورة الدموية توقفًا لا يتوقع رجوعها بعده، هذا بالإضافة إلى العلامات العامة كارتخاء العضلات، وعدم استجابة الجسم لأي تنبيه حسيّ، وتوقف جميع الأفعال المنعكسة، وثبات حدقة العين، وبرودة الجسم حتى يصير في درجة حرارة الجو المحيط به.
ويتم تشخيص الوفاة بعد توقف القلب والدورة الدموية والتنفس توقفًا لا رجعة فيه، وإن كانت القوانين المختلفة تشترط ضرورة مُضيّ بضع ساعات على تشخيص الوفاة حتى يُصرَّح بالدفن.
ومَرْضَى الغيبوبة الدماغية الذين يستخدم معهم أجهزة الإنعاش المختلفة، والتي تستمر بواسطتها عمل الدورة الدموية ويستمر القلب في الضخ والنبض، والرئتان في التنفس، وسائر أجهزة الجسم عملها ـ اختُلف في تصنيفهم وَفقًا لتكييف حالتهم هذه، أهم موتى حقيقة فيصنَّفون ضمن الموتى ويكونون كمن توقف قلبه وتنفسه ودورته الدموية، أم يصنَّفون ضمن الأحياء وإن كانوا مَرْضَى يُرجَى برؤُهم من هذه الغيبوبة ؟
متى يعتبر الإنسان ميتا:
فذهب فريق من الأطباء إلى أن من مات جذعُ مُخّه كليًّا فإنه يعتبر ميتًا، إلا أنه ينبغي التأكد من موت جذع المخ، وذلك باتباع عدة خطوات لتشخيص موته دماغيًّا:
الأُولى: أن يكون المصاب مغمًى عليه إغماءً كاملًا لا يمكن إفاقته منه، مع بيان ما إذا كان ثَمّةَ مرضٌ أو إصابةٌ في جذع المخ أو في كل المخ، وأنه لا يمكن معالجتها أو التخفيف منها.
الثانية: بيان سبب موت الدماغ إن كانت نتيجة حادث، أو نزف داخليّ في المخ، أو ورم، أو التهاب، أو نحو ذلك بالمخ.
الثالثة: عدم إمكان التنفس التلقائيّ والاعتماد فيه على مساعدات التنفس.
الرابعة: عدم وجود سبب من أسباب الإغماء المؤقت الناتجة عن تناول المسكرات أو المخدرات أو السموم، أو عن حالات الفشل الكُلَوِيّ أو الكبديّ، أو اضطراب عمل الغدد المختلفة.
الخامسة: هذا بالإضافة إلى عمل رسم كهربائيّ للمخ يتأكد به عدم وجود أية ذبذبة، والتأكد من عدم وجود دورة دموية بالدماغ بتصوير شرايين المخ.
انعقدت ندوتان بالمنظمة الإسلامية للعلوم الطبيبة بالكويت الأولى عام 1985 عن “الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها” والثانية عام 1996 عن “التعريف الطبيّ للموت” وكلتاهما اعتبرت الإنسان ميتًا إذا توقفت وظائف دماغه بأجمعها نهائيًّا، بما في ذلك جذع المخّ، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلاميّ المنعقد بعمان / الأردن 1986م.
وذهب فريق آخر من الأطباء إلى عدم اعتبار موت جذع المخّ دليلًا على موت مريض الغيبوبة الدماغية، إذ يرى هذا الفريق أن المصابِين بموت المخّ هم في الحقيقة مَرْضَى أحياءٌ مصابون بالغيبوبة العميقة أو إصابات الحوادث وليسوا أمواتًا، ودليل هذا عدم توقف أجهزة أجسامهم عن العمل، إذ يستمر عمل القلب والكبد والكُلْيَتَين، ويقوم الجهاز الهضميّ بوظيفته في الهضم والامتصاص، وتستمر جميع غدد الجسم بإفراز عصاراتها، بما في ذلك الغدة النخامية التي هي جزء من المخ، ويستمر إفراز هرمون النمو في أجسام هؤلاء المرضى، فيتحقق به وظيفته، كما ينمو الجنين المستكنّ في رحم المريضة بالغيبوبة الدماغية نموًّا طبيعيًّا حتى تتم ولادته، وتحتفظ أجسام هؤلاء بحرارتها الطبيعية كما هو الحال في غير المرضى بذلك، وقد ترتفع درجة حرارة أجسامهم كغير المرضى عند الإصابة بالبكتريا أو الفيروسات أو نحو ذلك، هذا بالإضافة إلى أن نجاح عملية نقل بعض الأعضاء، كالكبد والقلب والرئة والكُلْيَة والبنكرياس ونحوها، لا يتحقق إلا إذا أُخذَت من إنسان حيٍّ تعمل جميع أجهزة جسمه، كمرضى الغيبوبة الدماغية، ولا يستفاد بهذه الأعضاء إذا أُخذَت من آدميٍّ مات حقيقة بتوقف قلبه وتنفسه ودورته الدموية.
ومن ثَمَّ فإنه إذا صلَحت أجزاءُ هؤلاء المَرْضَى للنقل إلى مريض آخر فلا يمكن القول بأن المنقول منهم موتى، بل أحياء وإن طالبت غيبوبتهم، ولذا فينبغي معالجتهم منها بدلًا من الإجهاز عليهم بحجة عدم إمكان شفائهم.
وتَجري الآن أبحاث ناجحة في الغرب لعلاجهم سواء عن طريق التنفس الصناعيّ أو العلاج الدوائيّ، وهو ما أكّدته الجمعية الأمريكية لطب الحالات الحرجة، وأعلنه الأطباء في بوسطن. وقد أكدت بعض الأبحاث الطبية التي أُجريَت على كثير من المَرضَى الذين تم تشخيصُ حالاتهم كموتى جذع المخّ أن الحياة الطبيعية قد عادت إلى نسبة غير قليلة منهم، ونظرًا لإمكان عودة هؤلاء إلى الحياة الطبيعية فإن البروتوكولات المختلفة لتشخيص موت المخ اتفقت على عدم جواز تطبيق مفهومه على الأطفال لقدرة أبدانهم على استعادة وظائف المخ وإن طال زمن غيبوبتهم، وهذا يدل على بطلان مفهوم موت المخ كعلامة على الموت.
موت الدماغ:
إذا كان معنى الموت عند الفقهاء هو مفارقة الروح للجسد، وأنه يُستدل على هذه المفارقة بالعلامات التي ذكرها الفقهاء، والتي تتفق في كثير منها مع ذكره الأطباء من علامات الموت، والتي منها توقف القلب والتنفس والدورة الدموية توقفًا لا رجعة بعده ـ فإن علامات هذه المفارقة لا تظهر في مرضى الغيبوبة الدماغية الذين يطلق عليهم تَجَوُّزًا “الموتى إكلينيكيًّا” وذلك لما يلي:
أولاً: إنَّ هؤلاء المرضى لم تتوقف أجهزة أجسامهم عن عملها توقفًا لا رجعة بعده، بل إن هذه الأجهزة تظل في عملها بنفس كفاءة ما قبل الغيبوبة، ومساعدة الأجهزة الطبية لأجهزة الجسم في عملها لا يترتب عليه الحكم بموت هؤلاء؛ لأن هذه الأجهزة الطبية لا تعيد الحياة إلى جسم ميت، ومن ثَمّ فلا يُقطع بتوقف أجهزة جسم هؤلاء المرضى توقفًا لا رجعة بعده، ولهذا فلا يُقطع بموتهم.
ثانيًا: إنَّ مرضى الغيبوبة الدماغية لا يأس من شفائهم وعودتهم للحياة الطبيعية، وإذا لم نصنِّفهم ضمن الموتى فلا نصنِّفهم كذلك ضمن المأيوس من شفائهم حتى نعدوَ عليهم فنقتلَهم رحمةً بهم أو بذويهم، إذا أحسنّا الظنّ بمن يسارعون بنزع الأجهزة الطبية عنهم تعجيلًا لإنهاء حياتهم، وذلك نتيجة للطفرة الهائلة في مجال البحوث الطبية المعاصرة التي ما فَتئَت تكتشف كل يوم جديدًا في مجال التشخيص والعلاج، وقد سبقت الإشارة إلى حالات من هؤلاء المرضى عُولِجُوا من هذه الغيبوبة الدماغية.
ثالثًا: إنَّ خلايا أجسام هؤلاء المرضى تظل حية متجددة نامية لاستمرار عمل هرمون النمو، وإن حرارة هذه الأجسام تظل في معدلات حرارة غير المرضى بالغيبوبة، وهذا دليل على استمرار حياتهم على وجه اليقين.
رابعًا: إذا كان الموت صفةً وجوديةً خُلقَت ضدًّا للحياة، والموت والحياة لا يجتمعان في بدن واحد في آنٍ واحد، فإن مرضى الغيبوبة الدماغية إما أن يوصَفوا بالموت أو بالحياة، ووصفُهم بأنهم أموات ينقُضه استمرارُ مظاهر الحياة في أبدانهم على النحو الذي بيَّنتُ، ولا يَسُوغُ الحكم بموت إنسان وبدنُه حيٌّ يقبل الغذاء والدواء وتظهر عليه آثارُ تقبُّل ذلك من نمو وغيره، والأعضاء البشرية لا تستجيب لوسائل الحياة إلا إذا كانت حية، فالحياة البدنية هي المعتبرة لا الحياة الإدراكية، إذ هذه الأخيرة مَنَاط التكاليف الشرعية، ولكن انتفاؤُها بالغيبوبة لا يَعني موت صاحبها إن توافرت لبدنه مظاهرُ الحياة، ومن ثَمَّ فيتعين وصفُ هؤلاء المرضى بأنهم أحياءٌ لم تفارق أرواحُهم أبدانَهم، لوجود دلائل بقائها فيها.
خامسًا: من الحقائق الثابتة أن النموّ مظهر من مظاهر الحياة، وأبدان المرضى بالغيبوبة نامية، كما أنه يتحقق منها النماء لغير أصحابها، إذ تم تسجيل كثير من حالات الغيبوبة التي شُخّصَت على أنها موت لجذع المخ وكانت النساء المريضات حَوَامِلَ، وجَرَت متابعة الحمل لأكثر من خمسة أشهر نَمَت فيها الأَجِنّة نموًّا طبيعيًّا حتى تمت الولادة بعملية جراحية، ولا يتحقق نمو الأجنة في داخل جسد ميت لانعدام مقومات الحياة فيه، وهذا دليل قاطع على استمرار الحياة في أبدان هؤلاء المرضى.
ومن ثَمََّّ فإني أرى بقناعة تامة أن مرضى الغيبوبة الدماغية، أو من تُشخَّصُ حالتهم على أنها موت لجذع المخ، أحياءٌ على وجه الحقيقة ما دامت فيهم مظاهرُ الحياة التي أشرتُ إليها من قبل، ومن ثَمَّ فإن نزع الأجهزة الطبية عنهم في هذه الحالة من قِبَلِ اليائس من شفائهم يُعَدّ قتلًا عمدًا عدوانًا عند جمهور الفقهاء؛ لأن هذه الأجهزة المساعدة هي من وسائل مداواتهم وعلاجهم، وقيام الأطباء بحرمان هؤلاء المرضى من وسائل علاجهم يُعَدّ محقِّقًا لجريمة القتل العمد العدوان؛ لأن نزع هذه الأجهزة عن مرضى الغيبوبة الدماغية وسيلة يُقتَل بها غالبًا مَن كان في مثل حالهم.