للمسلم إذا حضرته الوفاة حقوق على من حوله من المسلمين:

-منها تلقينه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).

-ومنها توجيهه إلى القبلة إن أمكن ذلك.

-وتندية شفتيه بالماء إن احتاج لذلك.

ويستحب أن يقوم بذلك أرفق أهله به، وأعلمهم بسياسته، وأتقاهم لربه تعالى.

من أحكام المحتضر والواجب على أهله؟

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
إذا تأخرت حالة المريض، وغدا على أبواب الموت، وهي اللحظات التي يودع فيها الدنيا، ويستقبل الآخرة، ويعبر عنها بحالة (الاحتضار) فينبغي لأحب أهله إليه أن يلقنوه ” لا إله إلا الله ” كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص، وكلمة التقوى، وهي أفضل ما قاله محمد – ﷺ- والنبيون من قبله، كما جاء في الحديث: “…وخَيرُ ما قُلْتُ أنا والنبيُّونَ من قَبْلي: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ، وله الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ”الترمذي.
وهي الكلمة التي استقبل بها الحياة يوم ولد، وأذن بها في أذنه، وهي نفسها التي يودع بها الحياة، فهو يستقبلها بالتوحيد، ويودعها بالتوحيد.
قال علماؤنا : يستحب أن يلي المريض أرفق أهله به، وأعلمهم بسياسته، وأتقاهم لربه تعالى، ليذكره بالله تعالى، والتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم والوصية، وإذا رآه منزولاً به تعهد بلَّ حلقه بتقطير ماء أو شراب فيه، ويندى شفتيه بقطنة ؛ لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة، ويسهل عليه النطق بالشهادة. (انظر : المغني مع الشرح الكبير 2/ 304، والمبدع لابن مفلح 2/ 216).

ويلقنه ” لا إله إلا الله ” لما روي عن أبي هريرة مرفوعًا للنبي -ﷺ- : “لقِّنوا مَوْتاكم لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ مَن كان آخرَ كلمتِه لا إلهَ إلَّا اللهُ عندَ المَوتِ؛ دخَلَ الجنَّةَ يومًا مِن الدَّهرِ، وإنْ أصابَه قبلَ ذلك ما أصابَه”مسلم وابن ماجه وابن حبان. سمى المحتضر ميتًا، باعتبار ما يئول إليه لا محالة.

والجمهور على أن هذا التلقين مندوب، وهناك من قال بوجوبه، استدلالا بظاهر الأمر، بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه. (ذكره القاري في شرح المشكاة 2/329 ونقل الشوكاني كلام النووي في ندب التلقين ثم قال : ينبغي أن ينظر ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب، نيل الأوطار 4/50).

وحكمة تلقين الشهادة : أن تكون هي آخر ما يموت عليه، لما رواه أحمد والحاكم وصححه عن معاذ مرفوعًا : “من كانَ آخرُ كلامِهِ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخلَ الجنَّةَ”أبو داود وأحمد.

وإنما اقتصر عليها ؛ لأن إقراره بها إقرار بالأخرى ؛ لأنه يموت على التوحيد الذي جاء به محمد -ﷺ-، ولتقليل الكلام عليه.

وذهب بعض العلماء إلى تلقينه الشهادتين لأن الثانية تبع للأولى.

والأولى الاقتصار على شهادة التوحيد، عملا بظاهر الأحاديث.

وينبغي ألا يلح عليه في ذلك بالإكثار والتكرار، وألا يقول له : قل: لا إله إلا الله، خشية أن يضجر، فيقول : لا أقول، أو يتكلم بغير هذا من الكلام الذي لا يليق . ولكن يقولها بحيث يسمعه معرضًا له، ليفطن فيقولها.

أو يقول ما قاله بعض العلماء: ذكر الله تعالى مبارك، فنذكر الله تعالى جميعًا : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.

وإذا أتى بالشهادة مرة كفته، ولا يعاود، ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر، فيعيد تلقينه بلطف ومداراة ؛ لأن اللطف مطلوب في كل موضع فهنا أولى، وإنما يعيده ليكون آخر كلامه : لا إله إلا الله.

وعن عبد الله بن المبارك : أنه لما حضرته الوفاة، فجعل رجل يلقنه ويكثر عليه، فقال إذا قلت مرة، فأنا على ذلك ما لم أتكلم.

وينبغي ألا يلقنه إلا من يثق به، لا من يتهمه من عدو أو حاسد، أو وارث متربص ينتظر موته. (انظر : المغنى والمبدع السابقين، والمجموع 5/114، 115).

واستحب بعض العلماء قراءة سورة (يس) عند المحتضر، لحديث ” اقرؤوا يس على موتاكم “. ولكن أعله ابن القطان، وضعفه الدارقطنى، كما في التلخيص للحافظ 2/104) ولكن الحديث لم يبلغ درجة الصحة ولا الحسن، فلا تقوم به حجة.

هل يجب توجيه المحتضر للقبلة؟

يستحب توجيه المحتضر إلى القبلة، إن أمكن ذلك، فقد يكون في مستشفى ويحكمه موقع السرير الذي يرقد عليه.
ودليل ذلك حديث أبي قتادة عند الحاكم : – أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ قدِمَ المدينةَ سألَ عنِ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ فقالُوا تُوفِّيَ وأَوْصَى بثُلُثِهِ لكَ يا رسولَ اللهِ وأوصى أن يوجَّهَ إلى القبلةِ إذا احتُضِر فقالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصَابَ الفِطْرَةَ وقدْ ردَدتُ ثُلُثَهُ على ولَدِهِ ثمَّ ذَهَبَ فصلَّى عليهِ وقالَ اللهمَّ اغفِرْ لَهُ وارحمْهُ وأَدْخِلْهُ جنَّتَكَ وقَدْ فعَلْتَ”والبيهقي والطبراني .

قال الحاكم : هذا حديث صحيح، ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غير هذا الحديث. (استدل بعضهم بحديث عبيد بن عمير عن أبيه عن أبى داود والنسائي عن البيت الحرام : “قِبلتِكمْ أحياءً و أمْواتًا”، وتعقبه الشوكاني بأن المراد بقوله ” أحياء ” عند الصلاة، و” أمواتًا ” في اللحد، والمحتضر هنا غير مصل فلا يتناوله الحديث … والأولى الاستدلال بحديث أبى قتادة المذكور . نيل الأوطار 4/ 50).

واختُلف في كيفية التوجيه إلى القبلة على قولين:

الأول: أن يوضع مستلقيًا على ظهره، وأخمصاه إلى القبلة، ويرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة، كالموضوع على المغتسل . واختاره عدد من أئمة الشافعية، وهو قول في مذهب أحمد.

والثاني: أن يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، كالموضوع في اللحد، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك والمنصوص للشافعي في البويطي، والمعتمد في مذهب أحمد.

وأجاز بعضهم الوجهين، أيهما يتيسر.

وصحح النووي الثاني، إلا إذا لم يمكن ذلك لضيق المكان أو غيره، فحينئذ يوضع على جنبه الأيسر إلى القبلة، فإن لم يمكن، فعلى قفاه المجموع (5/116، 117).

وقال الشوكاني : الأولى أن يوجه على جنبه الأيمن، مستدلا بحديث البراء بن عازب في الصحيحين : “إذا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فتوضأْ وضوءَك للصلاةِ، ثم اضطجِعْ على شِقِّكِ الأيمنِ، وقل : اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رهبةً ورغبةً إليك، لا ملجأَ ولا منجى منك إلا إليك، آمنتُ بكتابِك الذي أَنْزَلْتَ، وبنبيِّك الذي أَرْسَلْتَ . قال : فإن مُتَّ مُتَّ على الفطرةِ، واجعلْهن آخرَ ما تقولُ”. فإنه يظهر منه أنه ينبغي أن يكون المحتضر على تلك الهيئة.

وفى المسند عن سلمى أم ولد أبى رافع : أن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- ورضي عنها عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها. (انظر: نيل الأوطار (4 /50، 51) ط دار الجيل، بيروت).