للصديق على صديقه حقوق كثيرة، منها أن يشاركه وقت الفرح والحزن ، ويصبّره في الملمات ، وإذا أصابته شدة تحملها معه ، ودفعها عنه بكل الوسائل ، فإن انعدمت الوسائل فيمكنه الابتعاد ، خاصة وإن كان صديقه يرى أن يبتعد عنه.
حق الصديق على صديقه عند الأزمات؟
لم يتعامل الإسلام مع الصداقة كعلاقة اجتماعية عابرة، بل رفعها إلى منزلة رفيعة وجعلها معياراً دقيقاً ومؤثراً في حياة الفرد الدينية والدنيوية، بل وحتى في مصيره الأخروي، لتصل إلى غاية أسمى هي التعاون على تحقيق مرضاة الله.
يقول فضيلة الدكتور الشيح أحمد الشرباصي رحمه الله :
إن الموقفك الذي يكون فيه الصديق مع صديقه، يختلف الحكم فيه باختلاف ما ينطوي عليه من بواعث ونتائج، لأن دفع الضرر مُقدَّمٌ على جلب المنفعة، ولأن صوت العقل مقدم على صوت العاطفة، فإذا أيقن الصديق برغبة صديقه في الذي يُشير به، وانعدمتْ أمامه الوسائل كلها فليطعْهُ، مع فإنني أضع أمامك أيها الصديق، الموقف التالي:
لمَّا ذهب الناس عن مروان بن محمد، وأيقن بزوال ملكهِ، وغلبة بنو العباس عليه، قال مروان لكاتبه عبد الحميد بن يحيى: إني قد احتجتُ أن تكون مع عدُوِّي، فتظهر له الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إليك تمنعهم منك، وتدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا فلا تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي.
فقال عبد الحميد: إن الذي أمرتَني به أنفعُ الأمرين لك وأضرهما لي، وما عندي إلا الوفاء، حتى يفتح الله لك أو أقتل معك، ثم أنشد (من الطويل):
أَسَرَّ وَفاءً ثُمَّ أَظهرَ غَدْرَةً فمَن لي بِعُذْرٍ يشملُ الناسَ ظاهرهْ؟
فسكت مروان عنه ساعة من الزمان، ثم أعاد عليه القول، فقال عبد الحميد: (والمُوفونَ بعهدهم إذا عاهدوا والصابرينَ في البأْساءِ والضرَّاءِ وحينَ البأس) (البقرة: 177). ثم ظل معه حتى قتل مروان.انتهى
ما أهم أساس لاختيار الصديق؟
يضع الإسلام قواعد لاختيار الصديق، لأن هذا الاختيار لا يؤثر على سلوك المسلم فحسب، بل على قلبه وعقيدته.
وأهم أساس هو الصلاح والتقوى.
فالصديق الصالح هو الذي يعين على الطاعة ويُذكّر بالله، بينما صديق السوء يجر إلى المعصية والغفلة.
يتجلى هذا المبدأ في الحديث النبوي الشريف الذي يُعتبر دستوراً في هذا الباب قال ﷺ: “إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ ، وجَلِيسِ السُّوءِ ، كَحامِلِ المِسْكِ ، ونافِخِ الكِيرِ ، فَحامِلُ المِسْكِ ، إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ ، وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، ونافِخُ الكِيرِ ، إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَةً” (متفق عليه).
هذا التشبيه البليغ يوضح أن أثر الصديق حتمي، فإما أن تنتفع منه خيراً كعطر المسك، أو أن يلحق بك ضرراً كشرر النار ورائحة الدخان.
لذلك، حذّر الإسلام من مصادقة أصناف معينة من الناس قد يكون ضررهم أكبر من نفعهم، كالكذاب، والأحمق، والفاسق، والبخيل، وقاطع الرحم، لأن طباعهم السيئة مُعدية ويمكن أن تنتقل إلى من يصاحبهم.