إن للذنوب والمعاصي آثارًا وعواقب، فما تهدمت الشعوب ولا فسدت القلوب، ولا خربت الأسر إلا من الذنوب، وما بخست الأرزاق، ولا قست القلوب، ولا جفت العيون إلا من الذنوب، وما غضب الجبار، وما أقيمت النار وما نصب الصراط، وكان هناك حساب وعقاب إلا مع الذنوب والمعاصي.
تَفنى اللذاذةُ ممن نال صَفوتها من الحرام ويبقى الإثمُ والعارُ تبقى عواقبُ سوءٍ من مغبَّتها لا خيرَ في لذة من بعدها النارُ |
هل تؤثر الذنوب والمعاصي على أصحابها
تؤثر الذنوب والمعاصي على أصحابها في الحياة الدنيا فللطاعة نور يستشعره أهل الإيمان ، وللمعصية ظلمة ، وللمعصية آثار تصيب بها من يقترفها ، وشؤمها يلحقه فلا ينفك عنه إلا بالتوبة النصوح ، وقد قال تعالى: {ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}.
وشؤم المعصية لا يصيب العاصي فقط بل قد يتعداه ليشمل غيره في بعض الأحايين مثل القوم الذي يسكتون عن المنكر بينهم و يقرونه ،و لا ينكرونه بأي درجة من درجات الإنكار فالمعصية إذا أعلنت تعدت عقوبتها لقوله تعالى :{ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}أي : أن عقوبة المعصية تعم العاصي وغيره ، وكذا في الحديث “إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا المنْكرَ فلم يغيِّروهُ أوشَكَ أن يعمَّهم اللَّهُ بعقابِ من عندِهِ”.
ما هي عقوبات الذنوب
عدَّد ابن القيم عقوبات الذنوب في الجواب الكافي إلى نحو الخمسين.
إن للمعصية شؤماً على صاحبها ، وهذه بعض آثارها من كلام ابن القيم رحمه الله :
– ” حرمان العلم ، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب ، والمعصية تُطفئ ذلك النور . ولما جلس الشافعي بين يدي مالك ، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته ، وتوقُّد ذكائه ، وكمال فهمه ، فقال :
إني أرى الله قد ألقى على قبلك نوراً ، فلا تُطفئه بظلمة المعصية .
– حرمان الرزق ففي مسند الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ” إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه ” رواه ابن ماجه ، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه .
– وحشة تحصل للعاصي بينه وبين ربه ، وبينه وبين الناس .قال بعض السلف : إني لأعصي الله ، فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي .
– تعسير أموره عليه ، فلا يتوجه لأمرٍ إلا ويجده مغلقاً دونه أو متعسراً عليه ، وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا .
– أن العاصي يجد ظلمةً في قلبه ، يُحس بها كما يحس بظلمة الليل ، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره ، فإن الطاعة نور ، والمعصية ظلمة ، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر ، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده ، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين ، ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير سواداً يراه كل أحد .
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : ” إن للحسنة ضياءً في الوجه ، ونوراً في القلب ، وسعةً في الرزق ، وقوةً في البدن ، ومحبةً في قلوب الخلق ، وإن للسيئة سواداً في الوجه ، وظلمةً في القلب ، ووهناً في البدن , ونقصاً في الرزق ، وبُغضةً في قلوب الخلق ” .
– حرمان الطاعة ، فلو لم يكن للذنب عقوبةٌ إلا أن يُصدَّ عن طاعةٍ تكون بدله ، وتقطع طريق طاعة أخرى ، فينقطع عليه بالذنب طريقٌ ثالثة ثم رابعة وهلم جرا ، فينقطع عنه بالذنب طاعات كثيرة ، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها ، وهذا كرجل أكل أكلةً أوجبت له مرضاً طويلا منعه من عدة أكلات أطيب منها، والله المستعان .
– أن المعاصي تزرع أمثالها ، ويُولِّد بعضها بعضاً ، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها .
– أن المعاصي تُضعف القلب عن إرادته ، فتقوى إرادة المعصية ، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية ، … فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيءٍ كثير ، وقلبه معقودٌ بالمعصية ، مُصرٌ عليها ، عازم على مواقعتها متى أمكنه ، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك .
– أنه ينسلخ من القلب استقباح المعصية فتصير له عادة ، لا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ،ولا كلامهم فيه .
– وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة ، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ، ويُحدِّث بها من لم يعلم أنه عملها ، فيقول : يا فلان ، عملت كذا وكذا . وهذا الضرب من الناس لا يعافون ، ويُسدُّ عليهم طريق التوبة ،وتغلق عنهم أبوابها في الغالب . كما قال النبي ﷺ : ” كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرون ، وإنَّ من المجاهرة : أن يستر الله العبد ثم يُصبح يفضح نفسه ويقول : يا فلان عملت يوم كذا .. كذا وكذا ، فيهتك نفسه وقد بات يستره ربه ” رواه البخاري ومسلم .
– أن الذنوب إذا تكاثرت طُبِعَ على قلب صاحبها ، فكان من الغافلين . كما قال بعض السلف في قوله تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } قال : هو الذنب بعد الذنب .
وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية ، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير راناً ، ثم يغلب حتى يصير طبعاً وقفلاً وختماً ، فيصير القلب في غشاوة وغلاف ، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفـله ، فحينئذٍ يتولاه الشيطان ويسوقه حيث أراد .أهـ