قَرَّر الإسلام للوالدين حقوقًا مادية ومَعنوية أوْجَب على الولد رعايتها واحترامها وحُسْن أدائها، وفي رأس حقوقهما المادية عليه أن يُنفِق عليهما إذا احتاجا، وفي رأس حقوقهما المَعنوية بِرُّه بهما في كل وجوه البِرِّ، واجتناب عُقوقهما في كلِّ وجوه العُقوق.

مفهوم بر وعقوق الوالدين:

إنَّ بر الوالدين يتجلَّى في فعل ما يُرضيهما ويَسُرُّهما، من طاعة لأوامرهما وتحقيق لرغائبهما في المعروف، وأن عقوقهما يَتجلَّى فيما يُؤذِيهما أو يُنغِّصهما من قول أو عمل.

ويقول الفقهاء: إن الفعل السيِّئ يُعتبر عُقوقًا إذا كان من شأنه أن يُؤلم الوالدين (كسُوء الأدب معهما مثلاً) وإن لم يُؤلم الوالد الذي أساء ابنه الأدب معه لِفَرْط مَحبَّته له وتَولُّعه به، والإخلال ببر الوالدين درجات: من المخالفة اليسيرة إلى العقوق والإيذاء الذي هو أيضًا درجات متفاوتة.

هذا، ولكن الشريعة الإسلامية من أبرز مزاياها أنَّ تعاليمها تَحفظ التوازن بين جميع الجهات الواجبة الاعتبار، فهي لا تَقبَل أن تَطغَى رعايةُ نوع من الحقوق والواجبات على رعاية نوع آخر منها، وميزان هذا قول الرسول ـ ـ في الحادثة المشهورة: “إنَّ لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولزوجك عليك حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه” إلى نصوص أخرى كثيرة في الكتاب والسنة الثابتة.

ففي ظِلِّ ذلك تُقيَّد طاعة الوالدين شرعًا بأن لا تكون في معصية لله تعالى؛ لقوله تعالى: (وإنْ جاهَداكَ عَلَى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعْهُما)، وقول الرسول ـ ـ: “لَا طَاعَةَ لمخلوق في معصيَّة الخالق” (1)، فهناك نصوص عامة يَنْبسِط سلطانها على جميع آفاق الحقوق والواجبات فتَضع لها حدودًا ملحوظة تَحفَظ التوازن، والشرع حقوق وواجبات متقابلة، فكما أوْجَب على الولد برَّ والديه، أوجب عليهما تسهيلَ هذا البر عليه وعدم إرهاقه فيه.

صور بر وعقوق الوالدين:

1 – في الخروج إلى الجهاد إذا أراد الولد الخروج، وكان هناك من سواه مَن يُغنِي عنه ويَسُدُّ مَسدَّه، ووالداه أو أحدهما في حاجة إليه لا يَنبغي له أن يَخرُج ويَتركهما، فبقاؤه معهما من الجهاد؛ لأن الجهاد يَستدعى تَخْليف بعض المكلَّفين في البلد والأهل، وعلى هذا يُحمل قول الرسول ـ : “ففيهما فجاهِدْ”.(2)
أما إذا أصبح الجهاد في بعض الأحوال واجبًا عينيًّا عليه لعدم وجود من يَسُدُّ مَسدَّه، فليس خروجه عندئذ عُقوقًا ولا مُنافيًا للبِرِّ، وإن لم يأْذَنا له.

2 ـ ومن يُعطِي أبويه كِفايتَهما من النفقة ومتطلَّبات الحياة فقد أدَّى واجبه شرعًا، وإن تَطلَّبا شَطَطًا وإسرافًا فوق الحاجة المعروفة فليس واجبًا عليه، وإن أراد أن يَتطوع بالزيادة فذلك إليه ما لم يكن ذلك على حساب واجبات مالية أخرى عليه.

أما قول الرسول ـ ـ: “أنت ومالُكَ لأبيكَ” (3) فليس معناه التمليك في نظر الفقهاء، بل هو للتنبيه إلى مبلغ حقوقهما، وأن ما جَناَه من مال إنما هو بفضل تربيتهما له حتى أصْبَح كبيرًا قادرًا مُكتسِبًا، فعليه أن يُمتِّعهما بماله بِسَخاء.

3 – إذا كانت الزوجة تُعامِل والِدَيْ زوجها معاملة حسنة، وهما يَكرَهانها ويَطلُبان إليه تطْليقها دون ذنْب منها أو إساءة، فليس عليه إطاعتهما؛ لأن هذا منهما شَطَط وإساءة وعُدْوان، فلا يجوز له إطاعتهما فيه، وما رُوي من بعض حوادث تاريخية في صدر الإسلام بخلاف ذلك له تأويل آخَر.
هذا، وفي كل موطن مما لا يكلَّف الولد فيه بإطاعة والديه في معصية لا يجوز له إلا الرفْض برِفْق وحكمة دون إساءة لهما بالقول؛ لأن المقصود يَتحقَّق بعَدَم المُجارَاة لهما في معصية وعدوان، ولقول الله ـ سبحانه ـ في تَتِمَّة الآية السالفة الذِّكْر: (وصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا) والله يقول الحق هو يَهدي السبيل.

في الختام على الابن أن يضع نصب عينيه أن بر الوالدين واجب وأن عليه أن يحسن لهما وأن تعينه زوجته على ذلك لأن رضاهما من رضا الله والإحسان إليهما أمر الله به، وقد تكون دعوة منهما أو من أحدهما تجعل حياة الإبن وزوجته وأبناءه في سعادة وراحة واستقرار فلا يضيع ذلك منه.


هوامش

(1) حديث: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” رواه الإمام أحمد في مسنده (5/66) من حديث عِمران بن حصين والحكم بن عمرو الغِفاري. وقال الهيْثمي: رجال أحمد رجال الصحيح).
(2) روى البخاري (3004)، باب الجهاد بإذن الأبوين، ومسلم (2549) في البِر والصِّلة، والترمذي (1671) في الجهاد، والنسائي (3103) في الجهاد، و (4163) في البيعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال: جاء رجل إلى رسول الله ـ ـ فاستأذنه في الجهاد، فقال: “أحيُّ والداك” ؟قال: نعم. قال: “ففيهما فجاهد”.
قال العلماء: يَحرُم الجهاد إذا مَنع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمَيْن؛ لأن برَّهما فرْضُ عينٍ عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيَّن الجهاد، فلا إذْن.
وقوله ـ ـ: “ففيهما فجاهد” أي: خُصَّهما بجهاد النفس في رضاهما، والمراد القدْر المُشترك من كُلْفة الجهاد، وهو تعب البدن والمال (مجد).

(3) (روى أبو داود (3524) في البُيوع، باب في الرجل يأكل من مال ولده، وابن ماجه (2292) في التجارات من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ ـ أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً وولدًا، وإن أبي يجْتاح ـ أي يَستأصل ـ مالي، فقال: أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسْبكم، فكُلوا من كسب أولادكم”.
والحديث أخرجه أحمد (6678) و (6902) وإسناده حسن، وأخرجه ابن ماجه (2991) من حديث جابر. وقال المُنْذري: رجاله ثقات.
وفي الباب عن عائشة في صحيح ابن حبان وعن سمرة وعن عمر كلاهما عند البزار، وعن ابن مسعود عند الطبراني، وعن ابن عمر عند أبي يعلى. قال الحافظ في “الفتح”: 5/155 فمَجْموع طرُقه لا تحطُّه عن القوة وجواز الاحتجاج به (مجد).