يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن من أعظم ما تسكن به النفوس، وتطمئن به القلوب، استشعار العبد أن الله عز وجل معه، أن الله سبحانه وتعالى يرى مكانه، ويسمع دعاءه وكلامه، وهو معه يؤيده وينصره على عدوه أينما كان.
معية الله لعباده المؤمنين؟
معية الله لعباد المؤمنين ثابتة في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة:
–الله تبارك وتعالى لما أمر موسى وهارون أن يذهبا إلى الطاغية فرعون قال تعالى: ( اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ *…* قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ )طه43، أي يبطش بنا لأنه جبار، قال سبحانه وتعالى: ( قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ )طه46، معية عظيمة من رب العالمين لنبييه عليهما الصلاة والسلام.
–هذه المعية أيضاً ذكرت في موقف عظيم لنبينا محمد ﷺ، لما هاجر من مكة، عندما اجتمع عليه كفارها، وأرادوا أن يبطشوا به ويقتلوه، فخرج النبي ﷺ مهاجراً إلى ربه، فأوى إلى الغار، فبحث عنه الكفار في كل مكان، حتى وقفوا على الغار الذي هو فيه، الغار الذي في جبل ثور منخفض، وهم وقفوا بأرجلهم، حتى رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقدامهم، وقال قلتُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحن في الغارِ لو أنَّ أحدَهم ينظرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنا تحتَ قَدَمَيْهِ فقال ﷺ: “يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما”البخاري،مسلم،الترمذي، ونزل قوله تعالى: ( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )التوبة40.
هذه المعية متكررة لأنبياء الله تعالى، ولأوليائه الصالحين المؤمنين.
–إبراهيم عليه الصلاة والسلام، تمالأ عليه قومه وأشعلوا له ناراً عظيمة، وقالوا ألقوه في النار، ما عنده لا جند، ولا أحد يدافع عنه، لكن الله معه، قال تعالى: ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ )الأنبياء70، نصره الله عز وجل، من أمة مشركة، أرادت قتل نبي الله إبراهيم الحنيف عليه الصلاة والسلام.
–نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام، خرج من قومه غضباناً، قال تعالى: ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ )الأنبياء87، يعني لن نضيق عليه، ركب في السفينة، وهاج بهم البحر، فاقترحوا أن يلقوا أحدهم، عملوا القرعة جاءت على يونس عليه الصلاة والسلام، فلما ألقوه، التقمه الحوت بأمر الله عز وجل، ولكنه ظل حياً بأمر الله تعالى: ( فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ ) ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، ظلمات بعضها فوق بعض، من الذي ينجيه، من الذي ينقذه، قال تعالى: ( فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ )الأنبياء87.
نبي، ولكنه يخاف من ذنبه، ويخاف من عمله، وهو نبي من أنبياء الله الكرام، قال ﷺ: “دعوةُ ذي النُّونِ إذ دعا وهو في بطنِ الحوتِ لا إلهَ إلَّا أنتَ سبحانَك إنِّي كنتُ من الظالمينَ فإنَّه لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلَّا استجاب اللهُ له “الترمذي،النسائي، الزموها، والنبي ﷺ يقول لكم، الزموا هذه الكلمة العظيمة المباركة.
ما هي أسباب معية الله تعالى؟
معية الله عز وجل لها أسباب كثيرة منها:
أولاً- القيام بالفرائض: أي القيام بالطاعات الواجبة، ألا يقصر المسلم في حق الله سبحانه وتعالى، لا يقصر المسلم في فريضة من الفرائض، لأن الله عز وجل وعدهم بالنصرة والإعانة، والدفاع عنهم، علموا أو لم يعلموا.
يقول النبي ﷺ في حديث البخاري: “إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ”البخاري ومسلم. من الذي له قدرة أن يحارب رب العالمين، من عاد لي ولياً من أوليائي فقد آذنته بالحرب، ثم يقول الله تعالى:”وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ”البخاري ومسلم، ويقول ربنا عز وجل:”وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه” أعظم ما تتقرب به إلى الله الإحسان في الفريضة، لا تضيع صلاة العشاء وتحرص على التراويح، لا، أعظم ما تتقرب به إلى الله المحافظة على الفريضة في وقتها، حيث أمر الله عز وجل بها، أحب ما تتقرب به إلى الله القيام بالفرائض، صيام رمضان، أعظم من كل الصيام، هكذا انتبه.
ثم يقول الله تعالى:”وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ”يعينه الله عز وجل، لا يسمع ولا يبصر إلا ما يرضي الله، لا يعطي ولا يأخذ إلا ما يرضي الله، لا يمشي إلا في شيء يحبه الله، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه.
وعد من الله عز وجل من كان كذلك، فإن الله معه يؤيده وينصره ويحفظه.
ثانياً – البعد عما حرم الله: تريد أيها المسلم أن الله يحفظك وأنت ما حفظت حدوده، ما حفظت حقوقه، لا تتعدى حدود الله، لا تفعل ما حرم الله، قال النبي ﷺ لابن عباس: “يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ” ما معنى احفظ الله، الله ليس بحاجة إلى من يحفظه، احفظ الله تعني احفظ حدود الله، احفظ حقوق الله، لا تتعدى ما حرم الله عز وجل، فإن الله يعاملك بالمثل، “احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ” مجرد أن تسأل يكون الله معك، “تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ يعرفُك في الشدَّةِ” سبحانه وتعالى.
الله عز وجل مع الذين يحفظون حقوق الله عز وجل، ولا يتعدون حدوده.
ثالثاً- تقوى الله سبحانه وتعالى: التي فيها القيام بكل ما أمر، وترك كل ما نهى عنه وزجر، فإن الله عز وجل يقول في كتابه: ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )البقرة194، معية الله لأهل التقوى، لمن يتق الله عز وجل ظاهراً وباطناً، فإن الله معه لا يضيعه، ولا يخذله، ولا يتركه، بل هو معه أينما كان.
والعاقبة لأهل التقوى قال تعالى: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )القصص83، نهاية الأمور لأهل التقوى مهما علا الباطل، مهما انتفش الباطل فإن العاقبة للمتقين، النصرة لهم، القوة والبقاء لهم، هذا ما كتبه الله عز وجل، إنه ينصر أهل الإيمان وأهل التقوى.
والواجب على العبد تقوى الله سبحانه وتعالى في السر والعلن، فإن من اتقى الله وقاه، وحفظه وآمنه من كل المخاوف.
رابعاً- الصبر: معية خاصة للصابرين، إن الله سبحانه وتعالى مع الصابرين، الله معك إن صبرت، إن صبرت بكافة أنواع الصبر، الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، فإن الله أعلن في كتابه أنه مع الصابرين قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )البقرة153، فهو معهم عز وجل بتأييده وبحفظه ونصرته جل جلاله وتقدست أسماؤه.
خامساً-عمل الخير والإحسان: إن الله مع أهل الإحسان والخير، فإذا كان أهل بلد قد اشتهروا بعمل المعروف، وصنائع الخير، والإحسان إلى الضعفاء، ونصرة المظلومين، والأعمال الصالحة الخيرية، فالله عز وجل معهم إن شاء الله تعالى، بما أسلفوا من هذه الأعمال الصالحة الخيرة، التي تصل إلى مشارق الأرض ومغاربها.