معنى نقصان الأرض من أطرافها على الراجح ـ والله أعلم ـ هو نقصان أرض الكفر بانتشار الإسلام فيها واتساع رقعة بلاد الإسلام.

وهناك معان أخرى ذكرها المفسرون لهذا النقصان، كقول البعض بأن المقصود ذهاب البركة بموت العلماء والأخيار، أو بموت الأنفس ونقص الثمرات، والآية تشمل كل المعاني.

يقول الدكتور عبد الفتاح عاشور، الأستاذ بجامعة الأزهر:
آية من سورة الرعد يهدد الله بها المشركين المعاندين لله ولرسوله “أوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”:

-وقد سبقها قوله تعالى: ( إِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ )الرعد40، وفي هذه الآية الكريمة يلفت أنظارهم إلى أن نصر الله للمؤمنين قريب وأن وعد الله لا بد أن يتحقق.

-كما قال تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا )النور55.

-وكما قال سبحانه:( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ )الصافات171-173.

وكان على أهل الكفر أن يدركوا صدق هذا الوعد، وهم يرون هذا الدين تخفق بنوده كل يوم على أرض جديدة من أرض الله، ويدخل فيه كل يوم من يشرح الله صدره للإسلام، وهذا يعني أن يوم النصر الأكبر قريب، وأنه لابد آتٍ، فهذا حكم الله الذي لا يستطيع أحد أن يرد حكمه.

وتلك سنته ماضية في خلقه، يرونها فيما يشاهدون من صحة ومرض وجمال وقبح وعزة وذلة ورفعة وضعة وغني وفقر وحياة وموت، فهل يستطيع أحد أن يُعَقِّب على حكم الله بنقض أو أن يرد عليه ما قضي، فهكذا ما حكم به من انتصار لدين الإسلام، وأن طال ليل الظلم وأدلهمت مسالكه، وتجبر أهل الكفر وطغوا وبغوا وعاثوا في الأرض فسادا.

-وقد تحقق وعد الله للمؤمنين وتم نصر الله والفتح وارتفعت راية الإسلام في كل مكان ودخل الناس في دين الله أفواجا، أما أهل الكفر والضلال فمردهم إلى الله يحاسبهم وهو سريع الحساب، لا يشغله سبحانه شأن عن شأن، ولا حساب عن حساب، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته ، كما قال عز وجل: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ )الأنبياء47.

-وبهذا يتضح لنا معنى نقصان الأرض من أطرافها، وأن المراد بها أرض الكفر تنقص في كل يوم وتدخل في حوزة أهل الإسلام، مما يؤذن بأن الكفر لابد إلى زوال وأن أرض الكافرين وبلادهم ستئول حتما إلى أهل الإسلام.

فاللهم نصرك الذي وعدت به عبادك المؤمنين ( وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )الروم6.