العلماء قد اختلفوا في المقصود بالمحكم من الآيات والمتشابه منها، وقد رجح الإمام القرطبي القول بأن:

-المحكمات من آيات القرآن هي ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ولم يكن منسوخا.

-والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه كالحروف في أوائل السور ، أو كان محتملا لأكثر من معنى ولم يترجح فيه أحد المعاني ، أو كان واضح المعنى ولا يعلم نسخه من عدمه.

وهذا ما قاله الإمام القرطبي في تفسيره ، عند تفسير قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ )آل عمران/7.

اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة:

-فقال الصحابي جابر بن عبد الله، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: المحكمات من آي القرآن هي ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه، قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.

قلنا: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. فعن الربيع بن خيثم : ( إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء…) الحديث.

-وقيل : المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها.
-وقيل : سورة الإخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط.
-وقد قيل: القرآن كله محكم: لقوله تعالى: ( كتاب أحكمت آياته )هود/1.
-وقيل: كله متشابه؛ لقوله: ( كتابا متشابها )الزمر/23.
-قلنا: وليس هذا من معنى الآية في شيء؛ فإن قوله تعالى: ( كتاب أحكمت آياته ) أي أنه حق من عند الله. ومعنى “كتابا متشابها”، أي يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً. وليس المراد بقوله: “آيات محكمات” “وأخر متشابهات” هذا المعنى.

-وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله: ( إن البقر تشابه علينا )البقرة/70 أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر.

والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً.
-وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما. فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع؛ والمتشابه هو الفرع.

-وقال ابن عباس: المحكمات هو قوله تعالى في سورة الأنعام ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم )الأنعام/151، إلى ثلاث آيات، وقوله في بني إسرائيل: ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا )الإسراء/23 قال ابن عطية: وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات.

-وقال ابن عباس أيضا: (المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وما يؤمن به ولا يعمل به)

-وقال ابن مسعود وغيره: (المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات).

-وقال محمد بن جعفر بن الزبير وغيره : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد .
قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية.

-قال النحاس: أحسن ما قيل في المحكمات، والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره؛ نحو قوله تعالى: ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ )الإخلاص /4 وقوله تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ )طه/82. والمتشابهات نحو قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا )الزمر/53، يرجع فيه إلى قوله جل وعلا: ( إِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ )طه/82، وإلى قوله عز وجل: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ )النساء/48.

وقيل : للمتشابه وجوه، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى؛ كقول علي وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد أقصى الأجلين. فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل ويقولون : قوله تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ، نسخ قوله : أربعة أشهرٍ وعشراً ) وكان علي وابن عباس يقولان لم تنسخ.

ومنه أيضا تعارض الأخبار عن النبي وتعارض الأقيسة، فذلك المتشابه.

وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه، والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعا؛ كما قرئ: ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ )المائدة/6 بفتح اللام وكسرها . ( انتهى كلام الإمام القرطبي ).

ويقول الإمام الطبري في تفسيره :
وأما قوله تعالى: ( منه آيات محكمات ) فإنه يعني من الكتاب آيات، يعني بالآيات آيات القرآن.
وأما المحكمات: فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك.
ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب، يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم.

وإنما سماهن أم الكتاب، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامع لمعظم الشيء أماً له، فتسمي راية القوم التي تجمعه في العساكر أمهم، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها.

-وأما قوله: { وأخر متشابهات} فإن معناه: متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: ( وأتوا به متشابها )البقرة/25، يعني في المنظر: مختلفا في المطعم، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال: ( إن البقر تشابه علينا )البقرة/70، يعنون بذلك: تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه.

-فتأويل الكلام إذاً : إن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن، منه آيات محكمات بالبيان، هن أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين، وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام، وآيات أخر هن متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعاني.