يقول الأستاذ الدكتور عبد الحميد مدكور:ـ
التقوى لغة: قلة الكلام ، وقد استعملت التقوى -بمعنى عام- في الصيانة والحذر والوقاية، واجتناب ما هو مكروه أو قبيح أو ضار.
واصطلاحا: هي التحرز من عقوبة الله تعالى وعذابه ، بطاعته واتباع أوامره ،واجتناب نواهيه.
وقد سأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أبيًا عن التقوى، فقال:هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال:نعم. قال:فما عملت فيه؟ قال:تشمرت وحذرت ، قال:فذاك التقوى.
وتنسب مثل هذه الإجابة إلى أبي هريرة عند الشوكاني .
ما هو معنى التقوى؟
تقوم التقوى -في جوهرها- على استحضار القلب لعظمة الله تعالى واستشعار هيبته وجلاله وكبريائه ، والخشية لمقامه ،والخوف من حسابه وعقابه.
وإذا كان هذا هو معنى التقوى، فإن نطاقها لا ينحصر في اجتناب الكبائر فحسب ، بل إنه يمتد ليشمل كل ما فيه معنى المخالفة حتى لو كان من اللَّمم أو الصغائر، وقد فهمت التقوى هذا الفهم منذ عهد الصحابة الذين قال قائلهم:لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
بل إنهم جعلوا من تمام معناها أن تتضمن الورع ، عن بعض ما هو طيب أو حلال ، حذرًا من مقاربة الحرام ، وفي ذلك يقول أبو الدرداء: “تمام التقوى:أن يتقى الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال ، خشية أن يكون حرامًا “.
وهذا المعنى له أصل صحيح فى سنة رسول الله ﷺ ، فعن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ:”لا يبلغُ العبدُ أن يَكونَ منَ المتَّقينَ حتَّى يدعَ ما لا بأسَ بِهِ حذرًا ممَّا بِهِ بأسٌ”أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه.
هل التقوى مقصورة على اجتناب المعاصي؟
ليست التقوى -كما يفهم من معناها اللغوي وبعض استعمالاتها الشرعية- مقصورة على الحذر والاجتناب للمعاصي والرذائل ، بل إنها تتضمن -كذلك- جانب الفضائل والطاعات العملية الإيجابية ويظهر هذا في عديد من الآيات القرآنية، ولعل من أكثرها دلالة على هذا التكامل آية البر المشهورة، وهي قوله تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)البقرة/177.
وقد كانت الوصية بالتقوى أول وصايا الله تعالى لبنى آدم.
قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ)الأعراف/26.
وهي وصية الله للمسلمين وللأمم من قبلهم قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)النساء/131.
وكان أهل التقوى هم أهل محبة الله قال تعالى:(بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين)آل عمران/76.
وهم أهل ولايته قال تعالى:(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.الذين آمنوا وكانوا يتقون)يونس/62،63.
وأهل الكرامة عنده فى الدنيا وفي الآخرة:(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)الحجرات/13.
وقد وصفت الجنة بأنها دار المتقين قال تعالى:(ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين)النحل/30 ، وقال تعالى:(تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيًا)مريم/63.
التقوى سبب الرزق وتفريج الكرب؟
جعل الله التقوى من أعظم أسباب البركة في الأرزاق ومن أعظم أسباب تفريج الكربات وتكفير السيئات وزيادة الحسنات والخروج من المضائق والأزمات. والحديث عن التقوى ومكانتها ، وصفات أصحابها كثير في القرآن والسنة وقد أمر الله بها في أمر المؤمن كله:عبادات ومعاملات دينًا ودنيا ،
قال تعالى: (…وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ…)الطلاق/3
وقال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)الطلاق/4
وقال تعالى:(ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)آل عمران/102.
وقال ﷺ:”اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا ، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ”الترمذي وأحمد .
ونسب للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : “التقوى هي الخوف من الجليل والإيمان بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل” .