لا بد لكي تكون البدعة مذمومة أن يتوافر فيها شرطان :
1 – أن تكون حادثة لم تكن في الصدر الأول.
2 – أن تخالف أصلا شرعيا من أصول الشرع، فإن كانت حادثة ولم تخالف أصلا شرعيا لم تكن بدعة مذمومة.
وبعض الناس لا يفرق بين العبادة وبين ما قبلها وما بعدها، فالصلاة عبادة لا يجوز أن نزيد عليها أو ننقص منها، لكننا قبل الدخول في الصلاة، وكذلك بعد الانتهاء منها يمكننا التصرف في مساحات العفو التي لم يرد بشأنها حكم فقهي.
البدعة ودور المسجد في الإسلام؟
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
ليست البدعة كل ما استحدث بعد رسول الله ﷺ بإطلاق، فقد استحدث المسلمون أشياء كثيرة لم تكن في عهده ﷺ، ولم تُعَدّ بدعة، مثل استحداث عثمان أذانًا آخر يوم الجمعة بالزوراء لما كثر الناس، واتسعت المدينة.
ومثل استحداثهم العلوم المختلفة وتدريسها في المساجد، مثل: علم الفقه، وعلم أصول الفقه، وعلم النحو والصرف، وعلوم اللغة والبلاغة، وكلها علوم لم تكن على عهد النبي ﷺ، وإنما اقتضاها التطور، وفرضتها الحاجة، ولم تخرج عن مقاصد الشريعة، بل هي لخدمتها وتدور حول محورها.
فما كان من الأعمال في إطار مقاصد الشريعة، لا يعد في البدعة المذمومة، وإن كانت صورته الجزئية لم تعهد في عهد النبوة، إذ لم تكن الحاجة إليه قائمة.
والمسجد هو محور النشاط في الحياة الإسلامية، وقد كان في عهد النبوة دار الدعوة ومركز الدولة، كما بينت ذلك في كتابي” العبادة في الإسلام “. فيه تلقى الدروس والمواعظ، ومنه تنطلق كتائب الجهاد، وفيه يَلقى الرسول ﷺ الوفود والسفراء، وفيه يعلن النكاح، بل فيه يلعب الحبشة بحرابهم ويؤدون رقصاتهم المعروفة في يوم من أيام الأعياد، والرسول يشجعهم، ويساعد زوجه عائشة حتى تنظر إليهم.
وما المانع من إلقاء درس في المسجد بعد الجمعة، لشرح بعض ما جاء في الخطبة مما لم يتسع له وقتها وهو محدود، أو للإجابة عن بعض الأسئلة التي تعن لبعض المصلين في أمور الدين والحياة؟
وقوله تعالى: (فإذا قُـضِيَت الصـلاة فانتشـروا في الأرض وابتغـوا من فـضــل اللـه) (الجمعة :10)، يدل على أن الانتشار وابتغاء الكسب بعد الصلاة أمر جائز ومباح، وليس واجبا، إذ الرأي الصحيح أن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة ولا يقتضي الوجوب، كما في قوله تعالى: (وإذا حَلَلْتُمْ فاصطادوا) (المائدة:2) . وقوله عن النساء في المحيض : (فإذا تَطَهَّرْن فأتوهن من حيث أمركم الله). (البقرة: 222).
وهنا كذلك، فقد حرم الله البيع وما في حكمه من ابتغاء الكسب عند النداء ليوم الجمعة، فإذا قضيت الصلاة رفع الحظر، وعاد الأمر كما كان.
والحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن تناشد الأشعار في المساجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة” وحسنه الترمذي، ذكروا فيه أن التقييد بـ ” قبل الصلاة ” يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر.
وكذلك الدرس قبل الجمعة، قد تدعو إليه الحاجة، أو توجبـه المصلحــة المتوخــاة من ورائه.
ومن ذلك: أن كثيرًا من البلاد غير العربية يخطبون الجمعة فيها باللغة العربية، وجمهور الحاضرين ــ وإن لم يكن كلهم ــ لا يعرفون العربية، فلا يستفيدون من الخطبة شيئًا يذكر، ولهذا تكون في العادة قصيرة موجزة.
ومن ثم يكملون هذا النقص بدرس باللغة المحلية، قبل الجمعة، يحضره من لا عذر لديه ممن يريد أن يتفقه في دينه.
طبيعي أن هذا ليس هو الوضع الأمثل، والواجب أن تكون الخطبة كافية شافية، ولكن هذا هو الواقع، وكثيرًا ما نضطر عن النزول من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى، والإسلام يجيز ذلك وفقا لقاعدة الضرورات وأحكامها.
البدعة والإحداث في أمر الدين؟
يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا– رحمه الله-:
كل ما أحدثه الناس في أمر الدين ولم يأخذوه من كتاب الله أو سنة رسوله المبينة لكتابه فهو بدعة سيئة وضلالة، يستحق متبعها العقوبة في النار ، وإن لم يصح في الحديث زيادة : (وكل ضلالة في النار)، فقد أتم الله الدين وأكمله، فمن زاد فيه كمن نقص منه كلاهما جان عليه وغير راض بما شرعه الله، وأعني بالدين هنا: مسائل العقائد والعبادات والحلال والحرام دون الأحكام الدنيوية التي فوض الشرع أمرها إلى أولي الأمر ليقيسوها على الأصول العامة التي وضعها لها .
ذلك أن الجزئيات لا تنحصر فيحددها الشرع ؛ بل تختلف باختلاف العرف والزمان والمكان ؛ فمن ابتدع طريقة لتسهيل التعامل أو التقاضي غير ما كان عليه السلف ؛ وكانت نافعة غير منافية للأصول الشرعية العامة كبعض نظام المحاكم الجديد ؛ كان له أجر ذلك .
وأما ما يعتقد في الله واليوم الآخر , وما يتقرب إلى الله تعالى به من العبادة فهو لا يختلف ولذلك لا يقبل رأي أحد فيه ، بل يؤخذ كما ورد عن الشارع من غير زيادة ولا نقصان ، وإننا لنعجب من الذين زادوا في العبادات أحكامًا وأذكارًا ، وأورادًا كيف غفلوا عن تقصير الناس في القيام بما ورد فقاموا يطالبونهم بأكثر منه , وقد قال النبي ﷺ في الأعرابي الذي حلف أنه لا يزيد على ما فرض الله عليه شيئًا ، ولا ينقص منه شيئًا : ( أفلح الأعرابي إن صدق ) وهذه أذكار القرآن وأدعيته لا نكاد نرى مسلمًا من أهل الأوراد يدعو بها كلها ، فهل كانت أدعية شيوخهم المخترعة خيرًا منها ؟ على أن الدعاء بغير ما ورد لا يعد بدعة إلا إذا كان مخالفًا لما ورد ، أو كان معه بدعة أخرى كاتخاذه شعارًا دينيًّا والتزامه في مواقيت معينة .
وأما السنة الحسنة والسنة السيئة في الحديث الآخر فهي تشمل كل ما يخترعه الناس من طرق المنافع والمرافق الدنيوية أو طرق المضار والشرور , فمن اخترع طريقة نافعة ؛ كان مأجورًا عند الله تعالى ما عمل الناس بسنته ، وله مثل أجر كل عامل به ؛ لأنه السبب فيه ، وكذلك حكم مخترعي طرائق الشرور والمضار ، كالضرائب والغرامات والفواحش عليهم وزرها ما عمل الناس بها كما تقدم .
وقالوا : بدعة حسنة وبدعة سيئة وهو يصح في البدعة اللغوية أو الدنيوية ، ومن قال من العلماء : إن البدعة لا تكون إلا سيئة أراد البدعة الشرعية – أي : الابتداع في الدين – وقد ذكر نحو هذا ابن حجر في الفتاوى الحديثية .