-الأفضل لمن وقع في معصية توجب الحد كالزنا وغيره أن يستتر بستر الله، وأن يتوب بينه وبين الله، وأن لا يرفع أمره إلى الإمام، والأفضل لمن رآه أن يستره إلا إذا كان مجاهرا بالمعاصي محترفا للذنوب، فالأفضل في حق من رآه أن يبلغ عنه لاستئصال شره.

-وأما من أقيمت عليه البينة بعد أن رفع أمره إلى إمام المسلمين فلا سبيل إلى العفو عنه؛ لأن هذا الباب إذا فتح تعطلت الحدود، وادعى كل من ضبط متلبسا أنه تاب لينجو من العقوبة.

-وأما من أقر بمعصيته، وذهب إلى الإمام معلنا أنه عصى، من غير أن يكون هناك إثبات سوى إقراره، وظهرت منه أمارات التوبة النصوح فللإمام أن يعفو عنه إذا شاء، فإذا اختار المذنب إقامة الحد فعلى الإمام أن يجيبه إلى طلبه.

ومن شروط التوبة الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه.

هل الإسلام يتشوف إلى تنفيذ العقوبات؟

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-
أود أن ألفت النظر إلى حقيقة مهمة في أمر الحدود، وهي: أن الإسلام لا يركض وراء إقامة الحد، ولا يتشوف إلى تنفيذ العقوبة، فيمن اقترف ما يستحقها، ولا يضع أجهزة للتصنت على العصاة، أو ينصب لهم “كاميرات” خفية تصورهم حين ارتكاب جرائمهم.
بل نجد توجيهات الإسلام هنا حاسمة كل الحسم في صيانة حرمات الناس الخاصة، وتحريم التجسس عليهم، وتتبع عوراتهم، لا من قبل الأفراد، ولا من قبل السلطات الحاكمة.

روى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف: أنه حرس ليلة مع عمر بالمدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه (أي يقصدونه) حتى إذا دنوا منه، إذا باب مجاف (أي مغلق) على قوم، لهم فيه أصوات مرتفعة، فقال عمر – وأخذ بيد عبد الرحمن – : أتدري بيت من هذا؟ قال: لا، قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شرب (أي يشربون الخمر) فما ترى؟ قال عبد الرحمن: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه: نهانا الله عز وجل، فقال: (ولا تجسسوا) (الحجرات: 12)، فقد تجسسنا! فانصرف عمر عنهم وتركهم” (رواه الحاكم في المستدرك: 377/4، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي).

وروى أيضًا عن أربعة من الصحابة: جبير بن نفير، وكثير بن مرة، والمقدام بن معد يكرب، وأبي أمامة الباهلي – رضي الله عنهم – عن النبي – – قال: “إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم” (رواه أبو داود في الأدب – 4889 – كما رواه الحاكم أيضًا وسكت عليه هو والذهبي: – 378/4 – وذكره في صحيح الجامع الصغير برقم – 1885 – ونسبه أيضًا إلى أحمد والطحاوي)..

الإسلام يدعو إلى الستر لمن ارتكب المعصية؟

– نرى التعاليم النبوية الصريحة ترغب أبلغ الترغيب في ستر المسلم المذنب على نفسه، وعلى غيره.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله – – : “من ستر أخاه المسلم في الدنيا، ستره الله في الدنيا والآخرة” (رواه أبو داود في كتاب الحدود برقم – 4377 – ونسبه المنذري للنسائي، ورواه الحاكم أيضًا وصححه ووافقه الذهبي – 363/4).

وعن كثير مولى عقبة بن عامر: أن رسول الله – – قال: “من رأى عورة فسترها، كان كمن استحيا موءودة من قبرها” (رواه أبو داود في الأدب – 4891 – كما رواه الحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي – 384/4).

الإسلام دين العفو؟

نجد التوجيهات الإسلامية صريحة في التحريض على العفو والصفح فيما كان من الحدود متعلقًا بحقوق العباد، مثل السرقة، بشرط ألا تصل إلى سلطة القضاء. فهناك لا مجال لعفو ولا شفاعة.
وفي هذا جاء حديث عبد الله بن عمر: “تعافوا الحدود بينكم ، فما بلغني من حد فقد وجب” (رواه أبو داود في الحدود – 4376 – والنسائي في قطع السارق، حديث – 4889 – والحاكم وصححه ووافقه الذهبي – 383/4).

وكان الرجل يأتي إلى النبي – -، فيعترف بأنه أتى ما يوجب الحد، فلا يسأله عن هذا الحد: ما هو؟ وكيف اقترفه؟ بل يعتبر اعترافه هذا – الذي قد يعرضه للعقوبة – توبة من ذنبه، وندمًا على ما فرط منه، فهو كفارة له ولا سيما إذا أقام الصلاة مع رسول الله – – .

فقد روى أبو داود في باب “في الرجل يعترف بحد ولا يسميه” عن أبي أمامة: أن رجلاً أتى النبي – – فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًا فأقمه عليّ. قال: “توضأتَ حين أقبلتَ”؟ قال: نعم. قال: “هل صليت معنا حين صلينا”؟ قال نعم؟ قال: “اذهب، فإن الله تعالى قد عفا عنك” (رواه مسلم مختصرًا ومطولاً، وأبو داود واللفظ له، والنسائي. كما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود).

ومن ثم ذَهب من ذَهب من علماء السلف إلى أن من حق الإمام أو القاضي أن يسقط الحد بالتوبة إذا ظهرت أماراتها، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والمحقق ابن القيم، وهو ما أختاره حين (نقنن) عقوبات الحدود في عصرنا.