اتفق الأئمة الأربعة على أنَّ القاتل لا يُخَلَّد في النار لو دَخَل، وأن توبته من القتل صحيحة، وعليه أن يؤدي ما عليه في الدنيا من قصاص أو دية وكفارة ، وإلاّ فسيعذب في النار ولن يخلد فيها، إن كان من أهل التوحيد .

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر رحمه الله :

القتل جريمة شنيعة فظيعة، حَذَّرَ الله منها أشدَّ التحذير، وتوَعَّدَ عليها بالعذاب الشديد والعقاب الأليم.

-فقال ـ الله تعالى ـ: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)النساء:93.

-ويقول الرسول ـ ـ: – إذا الْتقى المسلمان بسيفَيهما ، فقتل أحدُهما صاحبَه ، فالقاتلُ و المقتولُ في النَّارِ قيل : يا رسولَ اللهِ هذا القاتلُ فما بالُ المقتولِ ؟ قال : إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه”البخاري .

-يقول الإمام ابن حزم في كتابه “المُحَلَّى” : “لا ذنبَ عند الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بعد الشِّرْك أعظم من شيئين:

أحدهما: تَعَمُّد تَرْكِ صلاة الفرض حتى يخرج وقتها.

والثاني: قَتل مؤمنٍ أو مؤمنة عَمْدًا بغير حق.

والقرآن الكريم يعد القتل جريمة كُبرى، ويتوَعَّد فاعله بأشد ألوان العذاب والعقاب:

-قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)المائدة:32.

-ويقول تعالى عن ابني آدم: (فَطَوَعَّتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)المائدة:30.

-ويقول الله تعالى في صفات عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)الفرقان:68 ـ 69.

-ويقول الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)الأنعام:151.

وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: “قاتلُ الْعَمْدِ لا توبة له” ورُوي أن سُفيان قال: “كان أهل العِلم إذا سُئِلُوا عن القاتل المُتعَمِّد، قالوا: لا توبة له.

ولكن رُوي عن ابن عباس أيضًا أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقترف جريمة القتل، وهو ينويها، وسأله هل للقاتل توبة أجابه: لا توبة له، تخويفًا وتحذيرًا، وإذا جاءه مَن اقترف جريمة القتل وسأله نادمًا خائفًا: هل للقاتل توبة؟ . أجابه: لك توبة؛ تيسيرًا وتخفيفًا.

ورُوي أن سائلًا جاء إلى عبد الله بن عباس وسأله: هل للقاتل توبة؟ فقال: لا توبة له وسأله آخر فقال: له توبة؛ فسُئِلَ ابن عباس عن ذلك، فقال: أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مُستكينًا قد قَتَلَ، فلم أُقْنِّطْه.

وقد اتفق الأئمة الأربعة على أنَّ القاتل لا يُخَلَّد في النار لو دَخَل، وأن توبته من القتل صحيحة، خِلافًا لابن عباس وزيد بن ثابت والضحاك، فقالوا: لا تُقْبل توبته أبدًا، فالأول مُخَفِّف تبعًا لظواهر الحديث، والثاني مُشَدِّد تبعًا لظاهر القرآن.

والذي يظهر أن القاتل يدخل النار، ويُعَذَّب فيها زَمَنًا طويلًا مُمْتدًّا، يُوازي جريمته الشنعاء التي ارتكبها، ثم يتوب الله عليه بمشيئته، بعد استيفاء عَذَابه كله، ويُدخله الجنة إن كان من أهل الإيمان والتوحيد.أ.هـ