مصالح البريد التي تدير دفاتر التوفير لا تقوم بمشروعات استثمارية ، ولكنها تضع أموالها في البنوك مقابل فوائد ربوية ، فتأخذ بعض هذه الفوائد وتوزع على أصحاب الأموال الباقي ، وعليه فالفوائد التي يأخذها أصحاب الأموال من مصالح البريد ربا حرام .
والحل للمسلم الذي يريد الربح الحلال أن يستثمر أمواله في البنوك الإسلامية، فأرباحها حلال لا شيء فيها، وعليه سحب أمواله فورا، وإيداعها في حد البنوك الإسلامية.
أما الأرباح التي يحصل عليها فلا يجوز له الانتفاع الشخصي بها، ولكن عليه أن توجهها في مصارف البر والخيرات، كالمستشفيات، وإطعام الفقراء وكسوتهم.
وإذا كان فقيرا فيمكنه شراء كتب إسلامية بهذه الأرباح والانتفاع بها.
وضع الأموال في دفتر توفير البريد؟
يقول الدكتور يوسف القرضاوي :-
لقد اغتر بعض العلماء بما تقوم به مصالح البريد فأجازها بناء على أمرين :-
الأول: أن هذا العقد مع مصلحة البريد ليس قرضًا، إنما هو إمداد للمصلحة بزيادة رأسمالها ليتسع استثمارها ومعاملاتها…إلخ.
الثاني: أنها معاملة حديثة لا يجرى عليها ما ذكره الفقهاء في شأن أنواع الشركات والمعاملات القديمة، وليس فيها ظلم ولا استغلال لأحد.
-وآفة هذا النوع من الفتاوى تكمن في عرض من يعرضها على الفقيه من الفنيين، فقد لا يُصوِّر له الواقعة التصوير الدقيق الصحيح، فيفتي بحسب ما تصوره من عرض العارض عليه وبراعته.
وقد ذكر الثقات أن مصلحة البريد التي تدير صناديق التوفير لا تملك أجهزة للتجارة والاستثمار، وإنما تعطى الحصيلة للبنوك لتأخذ منها فائدة توزعها – أو بعضها – على المشتركين . فانتهى الأمر إلى إقراض البنك بفائدة، ولكن بواسطة البريد.
وليس الأمر إذن كما ذكر يتصور البعض من أن المصلحة تستغل الأموال المودعة لديها في مواد تجارية يندر فيها – إن لم يعدم – الكساد والخسران! وما الذي خصها بذلك دون مؤسسات القطاع العام التي عمت الشكوى منها، لما يجلبه أكثرها من خسارة سنوية تُعد بعشرات الملايين أو أكثر ؟.
كما تصور بعض الناس أن العقد بين أصحاب الأموال ومصالح البريد ليس قرضا ، وتصوروا أن الذي يقترض لا بد أن يكون فقيرا ، ومصالح البريد ليست فقيرة بل هي أغنى من الناي فكيف تقترض من الناس وهذا غير صحيح فقد رأينا أن بعض الصور في المعاملات يكيفها الفقهاء على أنها قرض، وإن لم تكن من قبيل الإرفاق والتبرع، وأشرنا إلى ذلك في دراستنا السابقة عن فوائد البنوك، ونزيدها الآن إيضاحًا.
يقول ابن قدامة في (المغني) في باب (المضاربة): وإن قال (أي رب المال للمضارب) خذ هذا المال، فاتَّجِر به، وربحه كله لك، كان قرضًا لا قِراضًا، لأن قوله: خذه فاتجر به يصلح لهما (أي للقرض والقراض) وقد قرن به حكم القرض، فانصرف إليه.
قال: وإن قال مع ذلك: ولا ضمان عليك، فهذا قرض شرطه فيه نفي الضمان فلا ينتفي بشرطه، كما لو صرح به فقال :خذ هذا قرضًا ولا ضمان عليك (المغني لابن قدامة جـ 295 ط .الإمام بمصر).
فالعبرة إذن بالمسمى والمضمون لا بالاسم والعنوان . فمادام في الاتفاق ما يدل على حكم القرض وأثره اعتبر قرضًا شرعًا، وإن لم يسمه كذلك.
القرض بين المقرض والمقترض؟
ذكر الفقهاء صورًا عِدَّة فيها قرض لغير الفقير، ولمصلحة المقرض لا المقترض، كما هو العهد والمألوف.
ففي (الدر المختار) من كتب الحنفية يقول:
(يقرض القاضي مال الوقف والغائب واللقطة واليتيم من مليء (أي موسر) حيث لا وصي . ولا من يقبله مضاربة، ولا مستغلاً يشتريه).
وعلَّق العلامة ابن عابدين في حاشيته عليه بقوله: والدفع بالقرض أنظر (أي أصلح) لليتيم لكونه مضمونًا، والوديعة أمانة، وينبغي أن يتفقد أحوال المستقرضين، حتى لو اختل أحدهم أخذ منه المال (الدر المختار وحاشية ابن عابدين – رد المختار – عليه ج 4742 – 473 ط.استانبول).
فهنا تجد الإقراض للمليء أي للغني، والمقصود منه ضمان مال الوقف واللقطة ومال الغائب واليتيم.
وفي معجم الفقه الحنبلي: لا يجوز إقراض مال اليتيم إذا لم يكن فيه حظ له . ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مثلاً مال يريد نقله إلى بلد آخر، فيقرضه لرجل ليقضيه بدله في البلد الآخر، يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله، أو يخاف عليه الهلاك من نهب أو غرق، أو نحوهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو يكون حديثه خيرًا من قديمه كالحنطة.
فإن لم يكن فيه حظ، وإنما قصد إرفاق المقترض وقضاء حاجته فهذا غير جائز.
قال: وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بمال اليتيم، وإقراضه حينئذ لثقة أمين أولى من إيداعه، لأن الوديعة لا تضمن.(انظر: معجم الفقه الحنبلي ج 10762 مادة – ولاية – 19).
فالقرض هنا لمليء غني، وهو لمصلحة المقرض، وهو اليتيم، ولو أقرضه لمعسر لا يجوز، لما فيه من تعريضه للضياع . وإذا أقرضه لمصلحة المقترض وليس لمصلحة اليتيم فلا يجوز؛ لأنه يدخل في باب التبرعات، وهي لا تجوز من مال اليتيم.
ومما يذكر هنا أن أي واحد من الفقهاء من أي مذهب لم يفكر في أخذ زيادة من المقترض من مال اليتيم، ولو جاز ذلك ما سكتوا عنه، ولا تساهلوا فيه، لأنهم لا يتركون حقًّا ليتيم دون أن ينصوا على وجوب استيفائه. (انظر مقال دكتور رفيق المصري: “أدلة تحريم الربا في قروض الإنتاج والتجارة” في مجلة “البنوك الإسلامية” العدد 41 رجب 1409هـ – أبريل 1985م ص26: 34 وترجمة مقال د.فضل الرحمن حول “الربا التجاري” في مجلة “البحث الإسلامي” العددين 7،8 سنة 1968م)
ومما يدل على أن القرض ليس دائمًا عقد إرفاق ومساعدة، ما أشرنا إليه في دراستنا السابقة في قصة الزبير رضي الله عنه واشتراطه على من يودعون المال عنده أن يجعلوه قرضًا وسلفًا، مع أنه لم يكن في حاجة إليه، ولم يطلبه منهم، بل هم الذين جاءوا إليه طائعين مختارين.
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): ما كان يقبض من أحد وديعة إلا إن رضى صاحبها أن يجعلها في ذمته، وكان غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع فيظن به التقصير في حفظه، فرأى أن يجعله مضمونًا، فيكون أوثق لصاحب المال وأبقى لمروءته (فتح الباري -ج 2306). وهذا بالطبع يجيز له التصرف في المال، فيطيب له ربحه إن ربح، كما يتحمل خسارته إن خسر، وفقًا لقاعدة: الغنم بالغرم، والخراج بالضمان.
وبهذا كله تسقط الشبهة التي أثارها شيخنا، واتكأ عليها من بعده في أن شهادات الاستثمار، بل ودائع البنوك نفسها ليست قرضًا، مع أن القانون المدني الوضعي يكيف الودائع على أنها قرض، كما هو مقرر ومعروف عند الدارسين.
أما القول بأنها معاملة حديثة من كل الوجوه، وأنها لا تدخل تحت أي عقد من العقود المعروفة لدى الفقهاء، فقد رددنا على ذلك من قبل، ولست أدري والله ما الجديد فيها من صور المعاملات المعروفة عند الأقدمين، غير الشكل أو التسمية أو زيادة الكم، وهذه كلها لا أثر لها في الحكم بالحل أو الحرمة.
والعجب ممن يحرم المعاملة إذا كانت من فرد لفرد، فإذا كانت من شركة أو مجموعة أفراد تصبح حلالاً زلالاً.
أما عن التصرف في هذه الأرباح فيكون بإنفاقه في وجوه الخير أو بإعطائه للفقراء وذوي الحاجات، وفي الحديث قال ﷺ : “من تركَ شيئًا للهِ ، عوَّضهُ اللهُ خيرًا منه”.