إذا نظرنا إلى اتجاهات الاجتهاد، يمكننا أن نقول: أن هناك ثلاثة اتجاهات أساسية بهذا الاعتبار:
1 – اتجاه التضييق والتشديد.
2 – اتجاه الغلو في التوسع.
3 – الاتجاه المتوازن أو مدرسة الوسط.
الاتجاه الأول: اتجاه التضييق والتشديد؟
وهذا يمثله مدرستان:
الأولى: المدرسة المذهبية:
المدرسة المذهبية التي لا تزال تؤمن بوجوب اتباع مذهب معين لا يجوز الخروج عنه، ويجب الاجتهاد للمسائل الجديدة في إطاره، وتخريجًا على أقوال علمائه، وبخاصة المتأخرين منهم، مثل شراح الهداية، والكنز، والتنوير من الحنفية، وشراح خليل والرسالة من المالكية، وشراح المنهاج، وأبي شجاع من الشافعية، وشراح الإقناع والمنتهى من الحنابلة.
وهؤلاء إذا سئلوا عن معاملة جديدة لابد أن يبحثوا لها عن نظير في كتب المذهب، أو المذاهب المتبوعة، فإذا لم يجدوا لها نظير أفتوا بمنعها، كأن الأصل في المعاملات الحظر، إلا ما أفتى السابقون بإباحته!
الثانية: الظاهرية الحديثة:
المدرسة النصية الحرفية، وهم “الظاهرية الجدد”. وجلهم ممن اشتغلوا بالحديث، ولم يتمرسوا بالفقه وأصوله، ولم يعللوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ولا يكادون يهتمون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام، ورعاية المصالح، وتغير الفتوى بتغير الزمان، والمكان، والحال.
ولهذا نجد هؤلاء يحرمون كل أنواع “التصوير” مثلا، حتى الفوتوغرافي والسينمائي والتلفزيوني، أخذا بظاهر الأحاديث التي وردت في لعن المصورين، وتكليفهم يوم القيامة أن ينفخوا فيها الروح، وإن لم يكن في هذا التصوير مضاهاة لخلق الله، ـ الذي علل به التحريم في بعض الأحاديث إذ هو خلق الله نفسه!
ونجدهم أو نجد منهم من يحرمون “الذهب المحلق” على النساء أخذًا بظاهر أحاديث وردت، لم تسلم من طعن، ولو سلمت لكانت مؤولة أو منسوخة بالإجماع الذي نقله غير واحد من العلماء على إباحة الذهب للنساء، والذي يؤيده حديث “هذا (يعني الذهب والفضة) حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها”.
ونجد منهم من لا يرون زكاة في عروض التجارة، وإن بلغت قيمتها الملايين لأنهم لم يصح عندهم حديث خاص في وجوب زكاتها غافلين عن النصوص العامة التي أوجبت في كل مال حقا أو زكاة، دون أن تفصل بين مال ومال، وغافلين عن حكمة تشريع الزكاة، وهي تزكية أنفس الأغنياء وتطهير أموالهم، ورعاية ذوي الحاجات، والإسهام في تحقيق مصلحة الدين والأمة.
بل نجد من هؤلاء من يرى أن النقود الشرعية هي الذهب والفضة، التي وردت فيها الأحاديث، فأما النقود الورقية فلا تعتبر نقودًا شرعًا، وعلى هذا لا يجري فيها الربا، ولا تجب فيها الزكاة!
الاتجاه الثاني: اتجاه الغلو في التوسع؟
الاتجاه المبالغ في التوسع، ولو على حساب النصوص المحكمة والأحكام الثابتة، ويمثل هذا الاتجاه مدرستان أيضا:
الأولى: المدرسة الطوفية:
مدرسة إعلاء “المصلحة” على “النص” وهي التي يمكن أن نسميها المدرسة “الطوفية” نسبة إلى نجم الدين الطوفي (ت716هـ) صاحب الرأي المشهور في تقديم المصلحة على النص إذا تعارضا.
ولهذه المدرسة شبهات تستند إليها، يظهرونها، في مظهر الحجج ولكنها لا تقف على قدمين، ولا تثبت أمام النقد العلمي الصحيح.
ومن أبرز ذلك: استنادهم إلى بعض اجتهادات عمر رضي الله عنه في مثل سهم “المؤلفة قلوبهم” وقسمة سواد العراق. وغيرهما.
والتحقيق يثبت أن هذه الاجتهادات لا تخالف النصوص أبدًا، كما هو مبين في موضعه، ولا يتسع له المقام هنا.
وكثيرًا ما يكون هؤلاء “المصلحيون” من غير ذوي الاختصاص في الدراسات الشرعية من رجال القانون أو التاريخ أو الأدب أو الفلسفة أو نحوهم.
الثانية: مدرسة تبرير الواقع:
مدرسة “التبرير” للواقع، سواء كان الواقع الذي يريده العامة أم الواقع الذي يريده السلطان.
وهذا الواقع لم يصنعه الإسلام ، وإنما صنع في غيبة الإسلام عن قيادة الحياة تشريعًا وتوجيهًا، تحت تأثير الغزو الأجنبي بكل ألوانه المادية والأدبية.
ومهمة أصحاب هذه المدرسة إضفاء الشرعية على هذا الواقع، بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية تعطيه سندًا للبقاء.
وقد يكون مهمتهم تبرير، أو تمرير ما يراد إخراجه للناس من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة.
ومن هؤلاء من يفعل ذلك مخلصًا مقتنعًا، لا يبتغي زلفى إلى أحد، ولا مكافأة من ذي سلطان، ولكنه واقع تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب، وفلسفاته، ومسلماته.
ومنهم من يفعل ذلك، رغبة في دنيا يملكها أصحاب السلطة أو من وراءهم من الذين يحركون الأزرار من وراء ستار، أو حبًا للظهور والشهرة، على طريقة: خالف تعرف.
إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهب أو الخوف والطمع، التي تحرك كثيرًا من البشر، وإن حملوا ألقاب أهل العلم، أو لبسوا لبوس أهل الدين.
على أن من الخطأ -والخطر هنا – أن ندخل تحت عنوان “التبرير” كل اجتهاد ييسر على الناس أمر دينهم أو دنياهم، وإن كان مبنيًا على قواعد سليمة واستدلال صحيح. فلنحذر هنا من خلط الأمور ولنضع كل شيء في موضعه.
الاتجاه الثالث: الاتجاه المتوازن أو مدرسة الوسط؟
وهو اتجاه مدرسة “الوسط” أو الاتجاه المتوازن أو المعتدل، الذي يجمع بين اتباع النصوص ورعاية المقاصد الشرعية، فلا يعارض الكلي بالجزئي، ولا القطعي بالظني، ويراعي مصالح البشر، بشرط ألا تعارض نصًا صحيح الثبوت، صريح الدلالة، ولا قاعدة شرعية مجمعًا عليها، فهو يجمع بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر.
وهذا الاتجاه هو الاتجاه السليم الذي تحتاج إليه أمتنا، وهو الذي يمثل بحق وسطية الإسلام بين الأديان، ووسطية أمته بين الأمم (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) [سورة البقرة:143] ووسطية أهل السنة والفرقة الناجية بين الفرق المختلفة التي مال بها الغلو أو التفريط عن “الصراط المستقيم.
وهذا هو اتجاه أهل العلم والورع والاعتدال، وهي الصفات اللازمة لمن يتعرض للفتوى والتحدث باسم الشرع، وخصوصًا في هذا العصر.
فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل.
والورع هو العاصم من الحكم بالهوى.
والاعتدال هو العاصم من الغلو والتفريط.
وهذا الاتجاه هو الذي يجب أن يسود، وهو الاجتهاد الشرعي الصحيح وهو الذي دعا إليه المصلحون الغيورون.