يقول الدكتور محمد عدنان العطية:

اشتهرت هذه العبارة عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي عبارة عظيمة في إنكار الظلم والاستبداد: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟”، وإن كان إسناد هذه العبارة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت ثبوتًا صحيحًا، فإن معناها تؤيده نصوص كثيرة من القرآن والسنة في تحريم الظلم وصيانة كرامة الإنسان.

قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) سورة الإسراء/70.

وقال سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )الحجرات/13.

فلا فضل لإنسان على آخر بسبب اللون أو العرق أو النسب، وإنما يكون التفاضل بالتقوى والعمل الصالح.

وقال : “لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ – : إلَّا بالتَّقوَى”.

فمنذ فجر التاريخ، جاءت جميع الشرائع السماوية لتؤكد قيمة الإنسان وكرامته، وكان الإسلام واضحاً في إرساء مبدأ المساواة، فلا فضل لإنسان على آخر إلا بالتقوى، ولا ينبغي لاختلاف العِرق أو اللون أو اللغة أو الدين أن يكون سبباً لامتهان كرامة الإنسان أو سلب حريته.

وقد كرس هذا المبدأ مواثيق حقوق الإنسان الحديثة “أن الحرية والكرامة حق أصيل لكل إنسان”.

هل انتهت العبودية فعلا؟

قد تكون العبودية القديمة قد اختفت من صورتها التقليدية، لكنها عادت بأشكال أخرى أكثر تعقيداً؛والواقع الإنساني يبين أن الاستعباد قد يتغير شكله، حتى وإن تغير اسمه. كالاتجار بالبشر، والعمل القسري، والاستغلال الجنسي، والزواج القسري، واستغلال الأطفال، وحرمان الإنسان من أبسط حقوقه تحت وطأة الفقر أو الحرب أو النزوح.
والأشد خطراً أن يتحول الإنسان في بعض النزاعات إلى رقم لا قيمة له؛ تُسلب أرضه، ويُهدم منزله، ويُهجّر من وطنه، وتُستغل حاجته وضعفه، بينما يقف العالم أحياناً متفرجاً أمام انتهاكات تمس جوهر الكرامة الإنسانية.

ولذلك، فإن عبارة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، لا ينبغي أن تبقى مجرد مقولة تاريخية نرددها، بل يجب أن تتحول إلى سؤال دائم أمام كل من يملك القوة؟

بأي حق تُسلب حرية إنسان؟ وبأي حق تُنتهك كرامته؟ ومن أعطى أحداً سلطة أن يستعبد إنساناً ولدتْه أمه حراً؟

فالحرية حق، والكرامة حق، وحماية الإنسان مسؤولية… لا تسقط في زمن الحرب، ولا تسقط تحت أي ذريعة.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )الحجرات/13.

هل الكرامة تسقط في أوقات الأزمات؟

إن حقوق الإنسان ليست امتيازاً يمنحه أحد للناس، وإنما هي حقوق أصيلة يولد بها الإنسان.
وتزداد الحاجة إلى استحضار هذه المبادئ في أوقات الحروب والنزاعات؛ فالإنسان لا يفقد كرامته لأنه أصبح لاجئًا، ولا يفقد حقوقه لأنه يعيش في منطقة صراع، ولا يصبح دمه وماله وعرضه مباحًا بسبب اختلاف الدين أو العرق أو الجنسية.
وقد قال الله تعالى: ( مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )المائدة/32.
وقال سبحانه وتعالى: ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ )الإسراء/33.

كما نهى النبي عن قتل النساء والصبيان في القتال، فقال: “انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، ….”أبو داود.

فحتى في ظروف الحرب، هناك حدود شرعية وأخلاقية لا يجوز تجاوزها، لأن قوة الإنسان لا تمنحه حق ظلم الضعيف.

رسالة الإسلام:

إن رسالة الإسلام في هذا الباب واضحة: الإنسان مكرَّم، والظلم محرَّم، والعدل واجب، والاختلاف بين البشر لا يبرر احتقار أحدهم للآخر.

فاللون لا يرفع إنسانًا فوق إنسان، والنسب لا يمنح صاحبه حق إذلال غيره، والمال لا يجعل صاحبه أكرم عند الله، والقوة لا تمنح صاحبها رخصة للظلم.

قال تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )الحجرات/13.