ليس نعيم الجنة قاصرا على المتعة الجنسية، بل هي جزء منه ، ولكن تم التركيز عليه لأن الرغبة الجنسية أقوى من غيرها، وذكر تمتع الرجال بها دون النساء ليس فيه إخلال بمتعة النساء أيضا من أهل الجنة، ولا نفي لهذه المتعة، بل هو ذكر لها .

هل النساء ليس لهم استمتاع في الجنة؟

النصوص التي تبين صور استمتاع الزوج بزوجاته في الجنة ماهي إلا مشاهد تبين صور استمتاع النساء بالرجال كذلك.
وهذا الاستمتاع ليس قاصرا على الحور ، بل يشمل كل النساء من أهل الجنة، سواء من المؤمنات أم من الحور، بل الزوجة المؤمنة تكون في مقدمة الزوجات ، وتفضل على الحوريات بما تكسى من جمال، وبما قدمت من طاعة وبر وتقى في الدنيا رغم بشريتها.

أليس حينما تطالعنا السنة بمشهد يرى فيه الرجل زوجته من أهل الجنة، فلا يلفت عنها بصره إلا بعد سبعين سنة من فرط جمالها… أليس هذا استمتاعا لكليهما معا؟ أليس في هذا إشباع لحاجة المرأة التي تحب أن تكون آسرة الرجل وساحرته؟
يقول الله تعالى : ( هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ )يس56، ويقول سبحانه وتعالى : ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ )الزخرف70، وغير ذلك من الآيات الجامعة للرجل وزوجاته، ثم إن الغيرة تنزع منها ، فلا غيرة في الجنة، بل فيها الرضا والسرور، ولا تنقص إحداهن قدر تمتع الأخرى بزوجها.

ثم إن تلك المشاهد تصف المرأة في الجنة وصفا يحبه الرجل ويتغياه منها… فهن أَبْكَار عُرُب ، لكنه من جانب آخر وصف للمرأة نفسها بما تحب أن تكون… فهذه المشاهد على الحقيقة هي مدح وإطراء للنساء، وليس للرجال حظ في ذلك إلا الاستمتاع بهذا الجمال الذاتي فيهن.

-وإذا وصفت المرأة من أهل الجنة بأن خلقها أعيد من جديد على نحو يأسر الرجل كما بينا، ووصفت بالإدلال والغنج، وهو ما توحيه كلمة (عربا) ووصفت بالملاحة والظرافة والحسن والجمال، حتى وصف خمارها، ولباسها، وحليها، وزينتها، وعذوبة صوتها، وحسن ثغرها، وجمال تبسمها، وصفاء جلدها ، ونضارة جسمها.

-إذا وصفت المرأة من أهل الجنة بهذا…. فكيف يمكن أن يوصف الرجال؟ وكيف يحببهن الله تعالى فيهم، وبأي شيء يغريهن منهم؟

-ألم يقل الرسول في وصف ساكني الجنة رجالا ونساء: “أوَّلُ زُمرةٍ تَدخُلُ الجَنَّةَ على صورةِ القَمَرِ لَيلةَ البَدرِ، والذينَ على إثرِهم كَأشَدِّ كَوكَبٍ إضاءةً، قُلوبُهم على قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ، لا اختِلافَ بينَهم ولا تَباغُضَ، لكُلِّ امرِئٍ منهم زَوجَتانِ، كُلُّ واحِدةٍ منهما يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ لَحمِها مِنَ الحُسنِ، يُسَبِّحونَ اللهَ بُكرةً وعَشيًّا، لا يَسقَمونَ، ولا يَمتَخِطونَ، ولا يَبصُقونَ، آنيَتُهمُ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وأمشاطُهمُ الذَّهَبُ، ووقودُ مَجامِرِهمُ الألوَّةُ -قال أبو اليَمانِ: يَعني العودَ-، ورَشحُهمُ المِسكُ”البخاري،ومسلم.

وهنا يجف المداد، وتعجز الكلمات…. فماذا عسى أن يوصف الرجل بأكثر من هذا…. ولكنها إلماحات ، وإشارات تسبح السابحات فيما تلقيه هذه الكلمات من ظلال، وما توحي به من مشاهد، يحدوهن في هذه السباحة العقلية قوله تعالى: ( لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ )الزمر34، وقوله سبحانه: (  لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ )ق34، إنها سباحة عقلية تفوق خيال الشعراء، ومبالغات الأدباء، وأساطير الأفاكين….. إلا أنها الحقيقة.

بعض نعيم الجنة للرجال والنساء؟

يقول الشيخ عطية صقر، رحمه الله تعالى:
‏تحدث القرآن عن نعيم الجنة في الناحية الجنسية ، وركز على الرجل بالذات ، وأغراه بالعمل لدخول الجنة لينعم بزوجات فيهن كل الأوصاف المغرية، وجاء في الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم أن الرجل الواحد سيكون له أكثر من زوجة ، فقد أخرجا عن أبي هريرة رضى الله عنه أن الصحابة تذاكروا :‏ الرجال أكثر في الجنة أم النساء ؟ فقال :‏ ألم يقل رسول الله ” لكُلِّ امرِئٍ منهم زَوجَتانِ، كُلُّ واحِدةٍ منهما يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ لَحمِها مِنَ الحُسنِ “البخاري ومسلم.

وجاء في أحاديث أخرجها الترمذي وصححها أن العبد يزوج في الجنة سبعين زوجة.

وفي حديث لأحمد والترمذي وابن حبان “إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً الَّذي له ثمانونَ ألفَ خادمٍ واثنانِ وسبعونَ زوجًا”.‏

فأين الحديث عن المتعة الجنسية للمرأة ، وهل لها أن تتمتع بأكثر من رجل كما يتمتع الرجل بأكثر من امرأة ؟ وإذا كانت مع زوجها في الجنة كما قال تعالى {‏ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ }‏ الرعد:‏ 23 ، فكيف تحس بالنعيم مع أن الغيرة تملأ قلبها من ضرائرها الحسناوات ؟

أ- ‏التركيز على نعيم الرجل لأن شهوته طاغية، فهو طالب لا مطلوب ، فوعده الله بما يحقق رغبته في هذه اللذة إن جاهد نفسه وعف عن الحرام .‏

أما المرأة فشهوتها ليست طاغية كما يقول المختصون ، وإن اشتدت في فترة نضج البويضة يوما أو يومين في الشهر فهي في غالب أيامها مطلوبة لا طالبة .‏

وما قيل من أن شهوتها أقوى من شهوة الرجل بنسبة كبيرة فليس عليه دليل صحيح ، والواقع خير دليل .‏

ومع ذلك فلا تحرم المرأة من هذه اللذة في الجنة، وستكون مع زوجها ذلك {‏ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ *‏ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ }‏ يس :‏ ‏56، ‏57 ، ومن لم تتزوج إما أن يزوجها الله -‏حيث لا يوجد عزب في الجنة كما في الحديث السابق الذي رواه الشيخان ، وإما أن يمتعها بلذة أخرى تقنع بها .‏

ب -‏ قد يكون هناك تعويض عن هذه اللذة بالقناعة بمنزلتها عند زوجها وبمتع أخرى يعلمها الله وحده قال تعالى: {‏ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ }‏ الزخرف :‏ ‏71 .‏
وقد قيل :‏ إن الله يكسوها جمالا لا تحس معه نقصا بالنسبة للحور العين ، وأن لها السيادة عليهن ، وهي لن تحب رجلا غير زوجها كالحور العين قاصرات الطرف .‏

ج -‏ ليس في الجنة غيرة بين الزوجات -‏كما في الدنيا-‏ لأنها تنغص النعيم ، وليس فيها حسد ولا حقد ولا حزن ولا أي ألم أبدا، حتى تتم اللذة لأهل الجنة كما قال تعالى :‏ {‏ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ *‏ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ }‏ الحجر:‏‏47 ،‏48 ، وقال على لسان أهل الجنة {‏ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ *‏ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }‏ فاطر:‏ ‏34 ، ‏35.(انتهى).

وأما أن أكثر أهل النار النساء ، فهذا حق ، ولا ظلم فيه ، فالسبب أعمالهن، وذكر ذلك نعمة، فهو تحذير لهن ، فمن حذرت أكرمها الله بالجنة ونعيمها، ومن تمادت في غيها فهي الجانية على نفسها.