الإنسان … ذلك المخلوق الضعيف لا يستطيع أن يعرف كل جوانب الحكمة من أعمال الخالق وقد يعرف بعضها، وقد لا يعرف شيئاً منها.
لكن من مقتضيات الإيمان التسليم المطلق لله تعالى، والإيمان بأسمائه الحسنى ومنها (الخالق) و(الحكيم) و(الرحمن الرحيم)….. وكلها لا يمكن أن تتناقض مع بعضها، فلا يمكن أن يكون خلق الله لشيء بلا حكمة أو بلا رحمة، فوحدانية الله تعالى تجعل كل أعماله منبثقة عن كل صفاته، وهذا هو الكمال المطلق.
يقول الله تعالى : ( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا )الكهف:81،80.
يقول بعض العلماء : إن هذه الآية أظهر ما يمكن أن يتجلى فيه أن لبشر قد يحبون ما فيه هلاكهم وهو لا يشعرون ، وقد يكرهون ما فيه نجاتهم وهم لا يدرون ، فقد كان هذا الولد قرة عين أبويه، ولكنه من حيث لا يشعرون كان أكبر شر ينتظرها ، فقد كان إمامهما إلى النار!!!
ونسوق هذا المثال ليعلم المسلم أن حكمة الله لو تبدت لنا لتغيرت نظرتنا للأمور ، فلولا أن الخضر كشف عن سر قتله الغلام لكان الاستشكال منصبا أيضا على موته، فتقول أنى رحمة الله تنقذ هذا الطفل من يد الخضر لو لم نكن نعلم بالقصة، وما أقل ما نعلمه.
ثم أليس خيرا للإنسان إذا كان مآله لو عاش إلى النار أن يموت صغيرا ، وأن يكون طعمة للوحوش والأسماك؟؟ ألا يتمنى أعتى الكفار يوم القيامة أن لو كان ترابا، كما قال تعالى: ( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا )النبأ:40.
ألم يقل أبو بكر الصديق فيما رواه عنه البيهقي في شعب الإيمان : ” لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق فمر عليّ بعير فأذني فأدخلني فاه فلاكني (مضغني) ثم ازدراني ثم أخرجني بعرا ولم أكن بشرا”.
ألم يحك عنه الضحاك بن مزاحم قال: قال أبو بكر الصديق ونظر إلى عصفور طوبى لك يا عصفور تأكل من الثمار .. . لوددت أني كبش يسمنني أهلي فإذا كنت أعظم ما كنت وأسمنه يذبحونني فيجعلون بعضي شواء وبعضي قديدا ثم أكلوني ثم القوني عذرة في الحش وإني لم أكن خلقت بشرا.
ألم يقل عبد الله بن عامر بن ربيعة :رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال ليتني كنت هذه التبنة؛ ليتني لم أخلق؛ليت أمي لم تلدني؛ليتني لم أك شيئا؛ليتني كنت نسيا منسيا.