يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
معرفة الله سبحانه وتعالى، هو الأصل الأول الذي يسأل عنه العبد في قبره، فإذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه جاءه ملكان فيقعدانه ويسألانه.
يسألانه أولاً: من ربك؟
ثم السؤال الثاني: ما دينك؟
فالواجب على العبد معرفة الإسلام بالأدلة ليتعرف على دين الإسلام، أن ينقاد لله سبحانه وتعالى لهذا الأصل، فالإسلام هو الاستسلام، والاستسلام لله تبارك وتعالى نوعان: قدري وشرعي.
أما الاستسلام القدري: فكل من في السماوات والأرض أسلم لله عز وجل طوعاً وكرهاً قال تعالى: ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا )آل عمران/ 83، حتى الكافر إذا جاءه الموت استسلم، وإذا جاءه المرض استسلم، وإذا أصابته مصيبة كذلك لا يقدر على ردها.
الاستسلام الشرعي: الانقياد لله سبحانه وتعالى بالتوحيد، الاستسلام لله تبارك وتعالى بالتوحيد، والطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
فلا بد أن تستسلم لله تبارك وتعالى بالتوحيد، أن تقر له جل في علاه بقلبك ولسانك بالتوحيد، وأن تنقاد له بالطاعة جل في علاه، أن تستسلم له في أوامره وترك نواهيه وزواجره، أن تكون مسلماً مستسلماً لله سبحانه وتعالى فيما يأمرك به، لا تعترض على الله، لا تشك في أمره، لا تجادل ربك سبحانه وتعالى، قل رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً.
-هل أنت مستسلم لله عز وجل، راضٍ عن الله عز وجل فيما يأمرك به؟
-أو عندك اعتراض على أوامر الله؟
كثير من المسلمين عنده اعتراضات بسبب الشبهات التي يبثها أعداء الله، له شبهات على أنظمة الإسلام، وعلى طاعات الإسلام وعبادات الإسلام، لماذا كذا؟ لماذا كذا؟ كن مسلماً حقاً مستسلماً لله عز وجل.
-هل أنت راضٍ عن الله عندما تقول رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً؟
-هل إذاً أنت راضٍ فيما أمرك الله سبحانه وتعالى به؟
-هل أنت راضٍ عن هذا الدين الذي هو شرف عظيم لك؟
-هذا الإسلام يقوم على الاستسلام القلبي أولاً، ثم الإسلام اللساني الإقرار بالإسلام.
البراءة من الشرك؟
دين الإسلام مبني على خمسة أركان، من استسلم لله عز وجل وانقاد له سبحانه وتعالى بالتوحيد وبرأ من الشرك وأهله، كما تبرأ إبراهيم عليه الصلاة والسلام أبو الأنبياء وإمام الحنفاء، عندما تبرأ من قومه وتبرأ من عباداتهم وأصنامهم، بل تبرأ من شرك أبيه
قال تعالى: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبُغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ )الممتحنة/4. فلا بد أن يبرأ المسلم من المعبودات الباطلة لأن هذا هو تحقيق الإسلام.
ما هي مراتب الإسلام؟
الإسلام دين مبني على ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما جاء ذلك في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام عندما سأل النبي ﷺ، فبين له ﷺ أركان الإسلام، ثم أركان الإيمان، ثم الإحسان.
الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
أما أركان الإسلام خمسة: أولها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
1 – أول هذه الأركان وهو الأصل والأساس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هي ركن واحد، لو قال شخص: أنا أشهد أن لا إله إلا الله ووقف، لن يكون مسلماً حتى يشهد أن محمداً رسول الله ﷺ.
فكل العبادات لا تقبل إلا بشرطين:
-الشرط الأول الإخلاص، الإخلاص لله عز وجل.
-والشرط الثاني متابعة الرسول ﷺ قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )الكهف/ 110. فالعمل الصالح لا نعرف أنه عمل صالح حتى يشرعه لنا رسول الله ﷺ، لا يجوز لنا أن نبتدع عبادات من قبل أنفسنا.
-وشهادة أن لا إله إلا الله شهادة شهد بها ربنا سبحانه وتعالى لنفسه بنفسه، ومن أصدق من الله حديثاً، ومن أصدق من الله قيلاً، قال سبحانه وتعالى: ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ )آل عمران/18. الله عز وجل يشهد لنفسه أنه لا إله في هذا الكون إلا هو، كما قال أهل العلم: هذه الآية فيها أعظم شهادة في الدنيا والآخرة من أعظم شاهد وهو الله سبحانه وتعالى وكفى بالله شهيداً في أعظم مشهود.
هذه الشهادة العظيمة تكلم الله تعالى بها، فالالله يقول في محكم تنزيله: أنا أشهد لنفسي أنه لا إله في هذا الكون إلا أنا. أتصدق الله فيما يقول؟ هل عندك يقين بما يقول الله عز وجل عن نفسه وهو أعلم بنفسه وأعلم بخلقه وأعلم بسمائه وبأرضه؟
فـ لا إله إلا الله كلمة مكونة من نفي وإثبات:
عندما تقول لا إله إلا الله فأنت تنفي شيئاً وتثبت شيئاً: “لا إله” نفي، لا إله في هذا الكون، لا معبود بهذا الكون إلا الله، إثبات العبادة والألوهية الحقة لله تبارك وتعالى. فكل إله في هذا الكون باطل، كل معبود في هذا الكون باطل إلا الله، فإن عبادته حقة.
هذه العبادة صحيحة إذا وجهت إلى الله سبحانه وتعالى، وأما سائر المعبودات فباطلة: الشمس، القمر، الكواكب، الأصنام، البشر، الملائكة، الجن، الحيوان، كل ما عبد في هذا الكون باطل وصاحبه مفترٍ كذاب يعاقب يوم القيامة أشد العذاب لأنه كفر بلا إله إلا الله.
-فلا إله إلا الله كلمة تقال باللسان ويقر بها القلب اختياراً واستسلاماً، انتبه! من قال لا إله إلا الله ولم يكن ذلك بقلبه، لم يكن موافقاً بقلبه للسانه كان منافقاً لا ينفعه هذا الإيمان، لا تنفعه هذه الشهادة.
وكذلك من قالها أكراهاً مجبراً لا رغبة له فيها ولكنه قالها بالإكراه، لن تنفعه عند الله حتى يقر بقلبه ولسانه أن لا إله إلا الله مختاراً مستسلماً لله تبارك وتعالى.
-وأن محمداً رسول الله، هذا متمم الشهادة، فلو قال إنسان كما قلنا: “لا إله” وسكت لم يكن مسلماً، ولو قال: “لا إله إلا الله” وسكت فقط لم يكن مسلماً حتى يشهد أن محمداً رسول الله، لأن الله تبارك وتعالى شهد له بالرسالة فقال سبحانه وتعالى: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )التوبة/ 128، بل آية أصرح من هذه الآية قال سبحانه وتعالى: ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ )الفتح/29. الله عز وجل يشهد لنبيه بالرسالة، ألا تشهد له أنت بالرسالة؟
وما معنى شهادة أن محمداً رسول الله؟
قال أهل العلم: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وأن لا تعبد الله عز وجل إلا بما شرع.
معنى شهادة أن محمداً رسول الله أن تصدقه فيما أخبرك، إذا جاء حديث صحيح عن النبي ﷺ وجب عليك أن تصدقه، سواء وافق عقلك أم لم يوافق، سواء وافق علم الطب الذي عندك أم لم يوافق، سواء وافق الواقع الذي أنت تعيشه أم لم يوافق. اتهم عقلك، اتهم علم الطب، اتهم علم الواقع، ولا تتهم رسول الله ﷺ، لأنه لا يقول إلا حقاً.
نحن نعجز عن فهم بعض الأحاديث فلا نتهم رسول الله ولا نتهم حديث رسول الله، بل نقل ما عندنا علم ناقص، النقص ليس في العلم الموروث عن سيد ولد آدم محمد ﷺ، لأن الله تبارك وتعالى زكى منطقه فقال تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ )النجم/3-4 عليه الصلاة والسلام.
3/2 -الركن الثاني إقام الصلاة، والركن الثالث إيتاء الزكاة، وكثيراً ما يجمع الله تبارك وتعالى بينهما في كتابه، فإن الصلاة حق الله على عباده من العبادة، والزكاة إحسان في عبادة الخالق والزكاة إحسان إلى خلق الله، فالالله تبارك وتعالى يجمع بينهما كما في قوله عز وجل: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )البينة/5.
الدين المستقيم، الدين الصحيح القيم هو القائم على الحنيفية، الحنيفية تعني الميل عن الشرك، استقامة على التوحيد، طاعة الله سبحانه وتعالى مخلصين له الدين غير مشركين بأنواع الشرك.
ومن الشرك الرياء: أن يصلي الرجل ويحسن صلاته لنظر الناس، أن يتصدق رياء الناس، هذا من أنواع الشرك التي تحبط العمل، فيكون العمل لا أجر لصاحبه فيه والعياذ بالله، يتعب وينصب ولكن عمله يكون هباءً منثوراً يوم القيامة لسببين: إما عدم الإخلاص، وإما عدم موافقة الرسول ﷺ.
-فالرسول عليه الصلاة والسلام بين لنا الوضوء، بين لنا الصلاة، فمن صلى كما أُمِر وتوضأ كما أُمِر فصلاته صحيحة مقبولة وهو مأجور عليها، لكن الذي يتوضأ ويخالف ويصلي ويخالف، هذا على خطر أن يأتي يوم القيامة فلا أجر له لا في وضوئه ولا في صلاته ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالالله أمر بالصلاة ذات الأركان المعروفة، الصلاة لها أركان ولها شروط ولها واجبات، واجب عليك أيها المسلم أن تتعلم ذلك، أن تفرغ من وقتك بتعلم دين الإسلام، هذا واجب من الواجبات، قال عليه الصلاة والسلام: “طلب العلم فريضة على كل مسلم“، في هذا الأمر وما أشبه، واجب على كل مسلم أن يتعلم دين الإسلام وأن يعرف حقوق الله عز وجل عليه في العبادات.
الزكاة حق لله على عبيده، لا يجوز لهم أن يعصوا ربهم سبحانه وتعالى بترك هذه الفريضة العظيمة، وللإمام وللأمير أن يجبر أصحاب الأموال الظاهرة على أداء زكواتهم، هذا واجب من الواجبات التي أمر الله تبارك وتعالى بها.
4 – رابع الأركان صيام رمضان، ودليله قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )البقرة/183.
5 – وخامس الأركان حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، فهو واجب في العمر مرة، وما سوا ذلك يكون نفل تطوع، وكذلك العمرة واجبة على العبد في العمر مرة وما زاد فهو تطوع.