يقول الدكتور محمد عدنان العطية:

قبل أن نتحدث عن الفقير، واليتيم، والمريض، والمدين، والطالب المحتاج، والإنسان الذي أثقلته ظروف الحياة، وغيرهم.

من المهم أن نتساءل: لماذا وُجد العمل الخيري؟ وهل هو مجرد مال يُعطى لمحتاج، أم أن وراء كل مساعدة معنى أكبر بكثير؟

الحقيقة أن العمل الخيري لم يكن يومًا مجرد إعطاء المال، بل هو صورة من صور الرحمة والتكافل وحفظ كرامة الإنسان، وهومبدأ أصيل جاءت به الشريعة الإسلامية، وجعلت فيه خيرًا للمعطي والمحتاج والمجتمع كله.

قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾المائدة/2.

إنها قاعدة عظيمة تختصر فلسفة العمل الخيري: أن يتعاون الإنسان مع أخيه في الخير.

هل الصدقة تكون بالمال فقط؟

حين نتحدث عن العمل الخيري، قد يتبادر إلى أذهاننا المال أولًا، لكن مفهوم الصدقة في الإسلام أوسع من ذلك بكثير.
قال النبي : “كلُّ سُلامى مِن النَّاسِ عليه صدقةٌ: كلَّ يومٍ تطلُعُ عليه الشَّمسُ يعدِلُ بينَ اثنينِ ويُعينُ الرَّجلَ في دابَّتِه ويحمِلُه عليها ويرفَعُ له عليها متاعَه ويُميطُ الأذى عن الطَّريقِ صدقةٌ”البخاري ومسلم، ذكر النبي صورًا متعددة من الخير، منها الإصلاح بين الناس، وإعانة الإنسان، والكلمة الطيبة، وإماطة الأذى عن الطريق.

وهذا يعني أن الخير أوسع من المال. فقد تكون الصدقة مالًا، وقد تكون وقتًا، أو علمًا، أو جهدًا، أو كلمة طيبة، أو مساعدة لإنسان في حاجته.

ولهذا فإن المؤسسات الخيرية، في جوهر رسالتها، ليست مؤسسات لتوزيع الأموال فقط، بل مؤسسات لصناعة الأثر الإنساني.

الإنسان قبل حاجته؟

من أهم ما يجب أن يحرص عليه العمل الخيري أن يرى الإنسان قبل أن يرى حاجته.

-فالفقير ليس مجرد «حالة».

-واليتيم ليس مجرد «رقم».

-والمريض ليس مجرد «ملف».

-والطالب المحتاج ليس مجرد «طلب مساعدة».

خلف كل حالة إنسان له مشاعر وكرامة وقصة وحياة.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾البقرة/263.

فالصدقة في الإسلام ليست مجرد قيمة مالية، وإنما لها أخلاق وآداب. فقد تعطي الإنسان مالًا، لكنك تؤذيه بكلمة، وقد تساعده، لكنك تكشف خصوصيته أمام الناس، وقد تسد حاجته، لكنك تجعله يشعر بأنه أقل من غيره.

ومن هنا فإن نجاح العمل الخيري لا يُقاس فقط بما تم تقديمه من مساعدات، بل أيضًا بالطريقة التي قُدمت بها، ومدى حفاظها على كرامة الإنسان وخصوصيته واحترامه.

العطاء وأثره على المجتمع؟

من أجمل ما في العمل الخيري أن أثره لا يتوقف دائمًا عند لحظة تقديم المساعدة.
-فقد تساعد طالبًا على إكمال تعليمه، فيصبح بعد سنوات معلمًا أو طبيبًا أو مهندسًا وينفع مجتمعه بأكمله.
-وقد تساعد أسرة على تجاوز أزمة، فتستعيد استقرارها.
-وقد تساهم في علاج مريض، فتمنحه فرصة لحياة جديدة.
-وقد تكفل يتيمًا، فتمنحه شعورًا بأنه ليس وحده.

وهنا يتحول العطاء من مساعدة مؤقتة إلى أثر ممتد.

قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾البقرة/245.

فما يقدمه الإنسان في سبيل الخير قد يراه قليلًا، لكن أثره قد يكون أعظم بكثير مما يتصور.

-قد لا نستطيع أن نغيّر حياة كل إنسان محتاج، ولا أن نحل كل مشكلة، لكننا نستطيع أن نخفف كربة، وأن نمنح إنسانًا فرصة جديدة، وأن نكون سببًا في تغيير حياة أسرة أو طالب أو مريض.

وقد لا يستطيع الفرد أن يعطي الكثير، لكن القليل إذا اجتمع مع القليل يصنع الكثير.

وقال رسول الله : “أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ”أخرجه الطبراني.

-فأجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه، ليس ما جمعه لنفسه فقط، وإنما الأثر الذي تركه في حياة الآخرين.

وفي عالم ينشغل فيه الناس بما يملكون، قد يكون هناك من يبحث فقط عمن يقف إلى جانبه.

وفي الوقت الذي قد يظهر فيه المحتاج رقمًا في تقرير، يبقى في الحقيقة إنسانًا له حياة ومشاعر وآمال.

-وخلف كل مشروع خيري أسرة تنتظر، وطفل يحلم، ومريض يتألم، وإنسان يتمنى أن تبدأ حياته من جديد.

لماذا وجد العمل الخيري؟

وُجد العمل الخيري ليس فقط لنعطي الإنسان ما يحتاجه، بل لنساعده على أن يعيش بكرامة، ونخفف معاناته، ونمنحه أملًا، ونترك في حياته أثرًا يمكن أن يمتد إلى سنوات طويلة.

فالعمل الخيري في جوهره هو أن تتحول الرحمة إلى فعل، والتكافل إلى ممارسة، والرغبة في فعل الخير إلى أثر ملموس في حياة الناس.

وقد تكون المساعدة التي تبدو بسيطة اليوم بداية لحياة مختلفة غدًا، وقد يصبح الإنسان الذي تلقى العون في يوم من الأيام قادرًا على أن يكون هو نفسه سببًا في مساعدة الآخرين.

لماذا نحتاج إلى المؤسسات الخيرية وما هي رسالتها؟

في كل مجتمع هناك إنسان يحتاج إلى من يقف إلى جانبه؛ أسرة أثقلتها الظروف، ويتيم فقد والديه، ومريض لا يستطيع تحمّل تكاليف العلاج، وطالب يخشى أن يتوقف عن دراسته، ومدين عجز عن سداد دينه، وإنسان فقد مصدر رزقه، وأسرة تمر بظرف طارئ لم تكن مستعدة له.
وهنا يأتي دور المؤسسات الخيرية؛ فهي لا تقوم فقط بجمع الأموال وتوزيعها، وإنما تعمل على تنظيم العطاء، والوصول إلى مستحقيه، وتوجيه الموارد إلى الاحتياجات الحقيقية، وتحويل رغبة الإنسان في فعل الخير إلى أثر ملموس في حياة الآخرين.

فالعمل الفردي قد يصل إلى شخص أو أسرة، أما العمل المؤسسي المنظم فيستطيع أن يصل إلى أعداد أكبر من المحتاجين، وفق آليات أكثر تنظيمًا واستدامة.

رسالة المؤسسات الخيرية في جوهرها ليست أن تقول للمحتاج: خذ هذا المال، بل أن يشعر الإنسان بأن المجتمع يراه، ويدرك معاناته، ويقف إلى جانبه في وقت حاجته.

-قد يكون المال جزءًا من الحل، لكن الأمل جزء آخر.

-وقد تكون المساعدة بداية الطريق، لكن التمكين هو الذي يساعد الإنسان على الاستمرار.

ولهذا فإن العمل الخيري الناجح هو الذي لا يكتفي بتخفيف الألم، بل يسعى، متى أمكن، إلى معالجة أسبابه، وتمكين الإنسان من الاعتماد على نفسه واستعادة استقراره.

وقد يحتاج الإنسان في مرحلة معينة إلى مساعدة عاجلة ومباشرة، لكن الهدف الأبعد هو أن تساعده هذه المساندة على تجاوز أزمته والعودة إلى حياته بصورة أكثر استقرارًا واستقلالًا.

المؤسسات الخيرية جسور بين أهل الخير وأهل الحاجة؟

هناك أناس يريدون أن يفعلوا الخير، لكنهم لا يعرفون أين يذهب عطاؤهم، ومن هو الأشد حاجة، وكيف يمكن أن يتحول ما يقدمونه إلى أثر مستدام.
وهنا تأتي أهمية المؤسسات الخيرية؛ فهي جسر بين من يريد أن يعطي ومن يحتاج إلى العطاء. تجمع أهل الخير على الخير، وتنظم مواردهم، وتنفذ المشاريع، وتتابع المستفيدين، وتقيس الأثر، وتسعى إلى أن تصل المساعدة إلى مستحقيها.

وقد قال النبي : “المُسلِمُ أخو المُسلِمِ، لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه، مَن كانَ في حاجةِ أخيه كانَ اللهُ في حاجَتِه، ومَن فرَّجَ عن مُسلِمٍ كُربةً فرَّجَ اللهُ عنه بها كُربةً مِن كُرَبِ يَومِ القيامةِ…”البخاري ومسلم.

فكل إنسان يساهم في تفريج كربة، أو إطعام محتاج، أو تعليم طالب، أو علاج مريض، أو رعاية يتيم، هو في الحقيقة يشارك في بناء مجتمع أكثر رحمة وتكافلًا.