مرد ذلك إلى ثلاثة مفاهيم ، يفهمها الناس على غير وجهها :

الأول : فلسفة الابتلاء: وذلك أن الابتلاء خير لا شر، وذلك أن الابتلاء يظل بصاحبه حتى لا يبقي له سيئة واحدة، فإنه يطهره تطهيرا.

الثاني : أن الغنم بالغرم ، والأجر على قدر المشقة، ففي الحديث ”سُئِلَ رسولُ اللهِ أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً قال الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثلُ يُبتَلى الناسُ على قدرِ دِينِهم………”ابن حبان، الترمذي، ابن ماجة،أحمد.

الثالث: أن أحدا لن يدخل الجنة بالمجان، ولو كان ذلك لأراح الله عز وجل نبيه من الأذى الذي لاقاه من جراء تبليغ الدعوة ، ولما أوجده في زمن أبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأمثالهما، فقد شاء الله أن يخلقه في هذا الوقت لينال الجنة بتعبه وجهاده.

يقول الحافظ ابن حجر في شرح حديث : الذي رواه عبدالله بن مسعود:“قال رسول الله : “دَخَلتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يوعَكُ، فمَسِستُه بيَدي، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّكَ لَتوعَكُ وعكًا شَديدًا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أجَل، إنِّي أوعَكُ كما يوعَكُ رَجُلانِ مِنكُم! قال: فقُلتُ: ذلك أنَّ لكَ أجرَينِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أجَل…….”.

يقول الحافظ :

 المرض إذا اشتد ضاعف الأجر، ثم زاد عليه بعد ذلك أن المضاعفة تنتهي إلى أن تحط السيئات كلها، أو المعنى قال نعم :شدة المرض ترفع الدرجات وتحط الخطيئات أيضا حتى لا يبقى منها شيء، ويشير إلى ذلك حديث سعد بن أبي وقاص “ما يبرَحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يمشيَ على الأرضِ وما عليه خطيئةٌ” ومثله حديث أبي هريرة عند أحمد وبن أبي شيبة بلفظ “ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِه وولدِه ومالِه حتَّى يلقَى اللهَ تعالَى وما عليه خطيئةٌ” قال أبو هريرة: ” ما من وجع يصيبني أحب إلي من الحمى أنها تدخل في كل مفصل من بن آدم وأن الله يعطي كل مفصل قسطه من الأجر”…. والسر فيه أن البلاء في مقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد ومن ثم ضوعف حد الحر على العبد وقيل لأمهات المؤمنين من يأت منكن بفاحشة مبينه يضعف لها العذاب ضعفين.

 قال ابن الجوزي في الحديث دلالة على أن القوي يحمل ما حمل، والضعيف يرفق به، إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلي هان عليه البلاء، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء، وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكة فيسلم ولا يعترض، وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء، وأنهى المراتب من يتلذذ به لأنه عن اختياره نشأ والله أعلما الحكمة من أن الله عز و جل، جعل رسوله يعانى من سكرات الموت كالرجلان منا مع أنه أشرف خلق الله.